لا شك أن نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، قد قسمت الشعب فريقين؛ فريق يدرك واقعه جيدًا، ويعلم المفسد من المصلح، وهم من يؤيدون الدكتور مرسي، وهؤلاء يرغبون في استكمال الثورة والتخلص من بقايا النظام البائد.. أما الفريق الآخر فينقسم بدوره إلى أكثر من فئة؛ فهناك من يعادي الفكرة الإسلامية، وهناك ذيول النظام السابق المتورطون في الفساد المالي والسياسي، وهناك مستفيدون من استمرار نظام المخلوع، وأخيرًا هناك قطاع تأثر بالإعلام الممول، فهم في رعب من مجيء الإسلاميين إلى السلطة.. وهؤلاء جميعًا يؤيدون المرشح الآخر، لكنهم ليسوا في حجم الفريق الأول الذي يشمل غالبية الشعب، والذي خرج من قبل بالملايين ليهدم أركان النظام البائد ويدحر قواته.
ولو أن الأمور تسير سيرها الطبيعي لنال الدكتور مرسي الرئاسة من الجولة الأولى، بيد أن المكر السيئ للمرشح الآخر وأعوانه، في الداخل والخارج، هو الذي منع ذلك، وقد اقتطع ملايين الأصوات من مرشح الإخوان؛ ذهبت إليه هذه الأصوات من الفئات التي ذكرناها، وهي قليلة كما قلنا، أما العدد الأكبر من الأصوات فقد حصل عليه بالحرام، بمليارات الجنيهات التي دفعها لمقاولى الأنفار، ولرؤوس العائلات الذين لا يفرقون بين حق وباطل، فحاز لذلك هذا الكم الكبير من أصوات الغلابة والمحتاجين والمغلوبين على أمرهم.
وفي جولة الإعادة سوف يدفع النظام البائد بفلذات أكباده، وسوف ينفق على الانتخابات كل ما يملك، وسوف يضع يده في يد الشيطان، وسوف يعد الصهاينة ويمنيهم، والأمريكان ومن على شاكلتهم؛ من أجل أن تكون له الرئاسة، وبذلك- لا قدر الله- تكون الثورة في خبر كان، ويعود النظام السابق، فاجرًا غادرًا، لا يبقى ولا يذر.
وهذا في الحقيقة يدعونا لأمرين؛ الأمر الأول: أن نستبشر بنصر قريب، وأجر كبير؛ إذ أن ما يحدث هو اجتماع الأحزاب، ولقاء المردة، وقد اتفقوا على محاربة الحق، وتشويه صورته، ودعم الباطل، وتحسين صورته، وقد أنفقوا الكثير والكثير لتجديد نظام أقل ما يقال عنه إنه كان يصد عن سبيل الله.. (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) (الأحزاب). الأمر الآخر: أن نتوحد، وأن نسرع الخطى، ونبذل الجهد، ونعد العدة- ما استطعنا- ولا نتأخر في إنفاق، وأن نعلم أن الناس الآن في فتنة، والنجاة منها بإفراغ الطاقة، والتضحية والثبات، ثم التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، والنوافل المستحبة.. والدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء.
لا بد أن ينفر الجميع، رجالاً ونساءً، شبابًا وشيوخًا، فإنما هي وقفة لله، وفرصة لنصرة الحق، ومواجهة الباطل في أغبى صوره، وسوف يندم من لا يشهد الجولة ويرفع راية الحق، وينصف المظلومين، ويضع أساس دولة جديدة قائمة على الحرية والإيمان، وقطع الطريق على عصابة أسفت مصر لحكمها، بعدما ضيعت الفرائض والحدود، وانتهكت الأموال والأعراض، وأثريت على حساب شعب طيب، ما جعل المرض والفقر لا يغادران بيوت وأجساد بنيه.
ليحاسب كل أخٍ نفسه، وليتحرك دون أن يُطلب منه ذلك، وليعمل في أكثر من مكان، وليكن ثابت الجنان قوي الحجة مع من يدعوهم، فالحق أبلج، والباطل لجلج، ونحن أولى بمصر من هؤلاء المساخيط، ويعلم الله كم نحب هذا الشعب ونرعى مصالحه. وإذا كان أصحاب الباطل يغنون لباطلهم، ويصبرون عليه، ويشتبكون في معارك مع أهل الحق، أفلا نكون نحن المبادرين، المطالبين بحقوق الشعب، وبدماء الشهداء، وبرد المظالم إلى أصحابها؟! فنحن لم نتهم ببيع البلد، ولا بسرقة خيرها، وإنما كنا- ولا زلنا- خدامًا أوفياء لها، حراسًا شجعانًا لحدودها، غيورين عليها وعلى مصالحها، وهذا يدعونا إلى السهر حتى تتحقق مطالبنا، وحتى يعود الشعب حرًّا عزيزًا، سعيدًا باسترداد بلده وعودة بضاعته إليه. ليتذكر الإسلاميون أن حبًّا كبيرًا يكنه هذا الشعب لهم، مهما كانت حرب الإعلام، والدليل: ما جرى في الجولة الأولى، وإذا كان هذا الشعب شبيه بقطعة الذهب التي ابتلعتها الرمال لفترة، فليس علينا سوى إزاحة تلك الرمال والأوساخ عنها، ونفض ما علق بها من طين الساسة وأدران المنتفعين.. ساعتها سوف تدركون أصالة هذا الشعب ونقاء معدنه.. وفقكم الله للعمل لدعوته، واستعملكم لنصرة شريعته.