إن أخصب فترات الحياة عند الإنسان هي تلك الفترة المملوءة حيويةً ونشاطًا وحركةً وهي فترة الدراسة الجامعية، فيها تتكون ملامح الشخصية العامة للشاب وفيها يحدث التأثير الفكري العميق والارتباط بين عالمي الفكرة والحركة، هي موقد الحماسة ومنبع الفاعلية.
ومن الكنوز التي يملكها القائمون على العمل الإسلامي (كنز طلاب الجامعة) حيث اندفاعهم إلى إثبات صدق الانتماء للفكرة، وفي تلك المرحلة يكتسب الشاب مجموعة من المهارات التي تهيئه لمرحلة ما بعد الجامعة مثل مهارات العمل العام ومواجهة الجماهير ومهارة التعامل مع الأفكار المضادة فضلاً عن المهارات الفنية والحركية المترتبة على الأنشطة الطلابية مثل اتحاد الطلبة والأسر والجوالة وغيرها.
وهي مرحلة تختلف عن الواقع الفعلي للعمل مع المجتمع حيث هنا التعامل مع شريحة واحدة فقط ضمن فعاليات محددة بمهارات محددة.
أما في ميدان المجتمع فالوضع يختلف لكن تشكل المهارات المكتسبة في المرحلة الجامعية عامل مهم في النجاح مع المجتمع حيث يلاحظ الفارق الكبير في مهارات التواصل بين من مارس العمل الطلابي والنشاط الدعوي في الجامعة وبين من لم يشارك فيه.
وعند التخرج والانتقال من المرحلة الجامعية إلى مرحلة ما بعدها- في الميدان الدعوي- يتعرض الشاب لاختبار هام حيث تبدأ مسئوليات الحياة في الإلحاح عليه مثل (العمل- الزواج- المسئولية الاجتماعية.. وغيرها).
هنا الاختبار الحقيقي في تحويل الحماسة في التعبير عن الفكرة إلى عمل مجتمعي متناسق مع مسئوليات الحياة حيث يقع الشاب أمام اختيارات أحلاها مر مثل الاختيار بين الانغماس في العمل بمواصلته الليل بالنهار- ليحصل على دخل يبدأ به رحلة الزواج- وبين إعطاء الدعوة الإسلامية بعض الوقت؛ ليساهم إصلاح المجتمع وتربية النشء على القيم الأخلاقية الإسلامية.
والراسبين في هذا الاختبار عادة ما ينغمسون كليًّا في محاولة تعظيم الدخل المادي ليسابق الزمن في الفوز بمسكن وزوجة وهو غافل أو متغافل عن أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن إعطاء العمل الإسلامي بعض الوقت سيورث البركة في باقي الوقت ليعظم فيه الدخل.
وميدان العمل المجتمعي الطبيعي يحتاج من القائمين على العمل الإسلامي إلى مجموعة من الإجراءات تؤهل لتأثير عميق على أن يكون أبطال هذه الإجراءات هم الشباب خريجو الجامعات.
فعلى سبيل المثال.. يحتاج المجتمع إلى الجهد الشبابي في تبني قيمة التطوع في العمل الميداني حيث يظهر الولاء الحقيقي للفكرة وللمجتمع وتصدير الشباب في تقديم هذه القيمة يحصد الكثير من الفوائد وكسب الأنصار للفكرة الإسلامية وانتشارها في هذا القطاع العام من المجتمع.
ومن الإجراءات المطلوبة أيضًا- وهي مهمة القادة- أن يتم إلصاق الشباب بأصحاب الخبرات ممن وهبهم الله الحكمة؛ ليكون الترشيد مستمر والتوريث متلاحق والتوجيه ملاصق للحماسة.
إن القائمين على العمل الإسلامي عليهم مسئولية كبيرة في الوقوف إلى جانب الشباب في مرحلة التخرج والتحول من الحياة الجامعية إلى ميدان العمل المجتمعي الحقيقي حيث يكون الشباب حديثي عهد بالتجارب والتعامل مع الناس ومعرَّضين لما يُسمى بصراع الأجيال بسبب الحماسة الزائدة التي تحتاج إلى حكمة فكم تسببت تلك الحماسة في وجود الكثير من المشكلات بين جيل الشباب والأجيال السابقة له مما أثر على صورة الفكرة الإسلامية وقدرتها على إدارة شئون الحياة.
ولو دقق الحكماء النظر لوجدوا أن الطاقة التي يملكها الشباب كبيرة تحتاج إلى تقديم نماذج وقدوات شبابية تقود دفة التأثير في المجتمع ولو فطنوا إلى استغلال الشباب في الأعمال الإدارية والحركية الإسلامية لاكتشفوا نقلة نوعية في الصعود بالفكرة الإسلامية إلى مساحات أوسع وأرحب في مناطق ديموغرافية بعيدة مما يحصد تأييدًا أكبر للفكرة الإسلامية.
-------------
* باحث اجتماعي- mreda.oth@gmail.com