وصل الشهر الكريم ومعه الوجبات الإعلامية الدسمة، وكعادة الإعلام المصري فإنه يتفنن في تقديم الجديد والعديد من المنتجات التي تجذب المشاهد إليها، فكيف توازن الأسرة وتنتقي المادة الإعلامية المناسبة، دون أن يؤثر ذلك بالسلب على العبادات والطاعات؟ وهل هناك عدد معين من ساعات المشاهدة لا يمكن تجاوزه أمام أجهزة الإعلام؟ وكيف تتعامل الأم مع أبنائها في مختلف أعمارهم وتعدل من سلوكياتهم في رمضان؟
أسئلة أخرى كثيرة تجيب عنها الدكتورة منال أبو الحسن أستاذ الإعلام بجامعتي الأزهر و6 أكتوبر في حوارها مع (إخوان أون لاين)، فإلى نص الحوار:
* شهر رمضان الذي يجتهد الجميع فيه بالتقرب إلى الله يداهمنا، كما يداهمنا أيضًا سيل من المواد الإعلامية المختلفة.. فهل هناك تأثير لتلك المواد على الأسرة بمختلف أعمارها؟
** هناك دائمًا علاقة طردية بين المشاهد والمنتج الإعلامي، وبالتالي فإن إقبال المشاهدين والمستمعين ممن لا يضعون معايير للاختيار سيكون بنفس الكم الذي تعودوا عليه قبل رمضان؛ بسبب الكم الهائل من المنتج الجديد المعروض لأول مرة في شهر رمضان، وبالطبع سيؤدي ذلك إلى عدم التعبد بالشكل المرجو في هذا الشهر الكريم، إلا إذا قام الشخص بتوفير وتنظيم وقته قبل شهر رمضان بحيث يعطي لكلِّ جانب من حياته حقه، وينتقي المواد التي يشاهدها حتى تدخل في حيز العبادة.
* وهل المنع التام من المشاهدة أفضل أم انتقاء الأم والأب اللذين يقتدي بهما أطفالهما؟
** لا أنا مع الانتقاء طبعًا؛ حيث إن المنع التام لا يتفق مع الرؤية الشاملة للإسلام، وقد يؤدي إلى مشاهدة الأبناء لما يريدونه خارج المنزل، لذلك فالأفضل أن يتابع الأب والأم ما يشاهده أبناؤهما أمام أعينهما لا من ورائهما، وينتقيان ما يناسبهم جميعًا، كما أن هناك منتجات إعلامية كثيرة جيدة كالمنتج الديني والسياسي وغيرهما، مما يقدم تنمية شاملة في كل المجالات للأسرة.
3 بنود للاختيار
* إذًا كيف ينتقي الأب والأم نوعية البرامج التي تمكن مشاهدتها مع أبنائهما؟
** معايير الاختيار والانتقاء يجب أن تتم من خلال ثلاثة بنود، الأول من خلال وسائل الإعلام نفسها، والتي تحدد هدفها من المنتج الإعلامي، فتعلن أن هذا البرنامج مقدم للرياضيين أو للمثقفين وما إلى ذلك.
أما البند الثاني فهو الشخص نفسه عندما يختار ويقارن بين العروض الكثيرة التي تقدم له على وليمة شاشات التليفزيون، والثالث هو البيئة التي يعيش فيها الشخص (الأسرة- العمل- المكان الأكاديمي أو الدراسي).
تلميع البدائل
* وكيف يمكن للأم أن تتعامل مع أطفالها الذين يودون مشاهدة برامج غير مناسبة؟
** لا بد أن تعلم الأم قواعد التربية الإيمانية الراشدة والتي تكمن في الآية القرآنية الشريفة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 104)، وهذا ما يجب أن يعلمه المربون، وهو ألا نبدأ مع الطفل بالنهي عن المنكر، ولكن نبدأ دائمًا بالأمر بالمعروف، فإذا ما نهينا الطفل عن مكروه كنا قد قدمنا له مسبقًا بدائل كثيرة له حتى يستطيع أن يختار البديل الصحيح؛ وحتى لا يشعر بالحرمان، فمثلاً إذا قلت لطفل صغير في مرحلة الطفولة المبكرة لا تلمس هذا فسيقوم الطفل بلمسه فورًا.
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه،... الحديث) وهذا يعني أن أفضل تغيير هو التغيير الإيجابي وليس باللسان، فأسهل شيء هو أن تقولي لابنك بلسانك افعل ولا تفعل، أما من أرادت التربية الإسلامية الصحيحة فعليها بالتغيير الإيجابي أولاً.
كما أنصح الأم في هذه الحالة ألا تمنع طفلها من مشاهدة هذه المادة الإعلامية حتى لا يلجأ لمشاهدتها بدون علمها بل ويتمسك بها أكثر من ذي قبل، وإنما تقوم بشدِّ انتباهه لبدائل أخرى مثل أن تقول له: "ما رأيك في هذه القناة وهذا البرنامج"، أيضًا من الجائز أن يكون البديل غير إعلامي، كأن تعرض عليه أن يخرج معها إلى مكان يحبه أو يساعدها في إعداد وجبة محببة إليه إلى غير ذلك.
* بعض الأمهات يتركن الأطفال صغار السن أمام شاشات التليفزيون معللين ذلك بأن الأطفال في هذه السن لن يركزوا أو يستوعبوا ما يرونه.. ما تعليقك على ذلك؟
** الدراسات كشفت أن الأطفال حتى سن الرابعة يكون تركيزهم كالتالي (سنة +1)، بمعنى أن الطفل الذي يبلغ من العمر سنتين يكون تركيزه وتأثره عند تكرار المشهد لمدة 3 دقائق، والطفل الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات يتأثر بعد 4 دقائق من تكرار رؤية أحد المشاهد.
وهنا نجد أن الطفل ذا الـ3 سنوات الذي يشاهد فيلمًا كارتونيًّا لـ"سوبر مان" مثلاً وظل يشاهده عدة مرات لمدة 4 دقائق، فمن المتوقع أن يحاكي الطفل السلوك بنفس الطريقة تمامًا، ويلقي بنفسه من الشرفة، فأخطر شيء أن يعاد الشريط أكثر من مرة، خاصة أن صانعي هذه الأفلام غير تربويين، إنما هم إعلاميون هدفهم جذب الانتباه والدعاية، لذلك لا بد من مراعاة هذا الجانب عندما يشاهد الأطفال المواد الإعلامية.
* وماذا عن مرحلة الطفولة المتأخرة "المرحلة الابتدائية" وكيف تتعامل الأم مع أبنائها تجاه المواد الإعلامية المختلفة؟
** الطفل في هذه السن بدأ يشعر بذاته، لذلك فهو لن يقبل الرفض التام من والدته، وأيضًا السماح التام مرفوض تمامًا، ولكن تستطيع الأم أن توجهه إلى المتعدد، فإن لم تلق البدائل استحسانه، فلتقم الأم بمشاركة طفلها فيما يريد، على أن توجهه بشكل غير مباشر عن طريق التقييم الموضوعي للمادة الإعلامية التي يريدها.
المراهقة
* وماذا عن مرحلة المراهقة، والتي تعتبر أصعب المراحل التي يمكن أن تمر بها الأم مع طفلها، خاصةً أن تلك المرحلة تشكل قطاعًا عريضًا من مشاهدي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة؟
** أنصح الأم بألا تتصادم مع أولادها المراهقين أو تمنعهم من مشاهدة ما يريدون؛ ولكن من الجميل أن تجلس معهم، وتشاركهم ما يشاهدون، ولكن قبل أن تقوم بذلك كله لا بد أن تكون على دراية كافية بما تشاهده معهم؛ حتى تستطيع أن تغير قناعاتهم تجاه ما يشاهدونه.
ولتحذر الأم أن تجلس وتشارك أبناءها ما يشاهدون وهي على غير دراية كافية به؛ حتى لا يسخرون منها، فمثلاً لا تشاركي ابنك موقع "الفيس بوك" مثلاً وأنت على غير دراية به؛ حيث إنه سيسخر منك ولن يعطي لحديثك اهتمامًا، فلا بد أن يكون للأم رؤية أوضح من رؤيته حتى يستمع إليك ويقتنع بما تقولينه، لذلك أنت بصدد إما التعلم أو استشارة من هم يعلمون من ذوي العلم والخبرة.
* وكم عدد الساعات التي يسمح للأطفال فيها بالجلوس أمام شاشات التليفزيون؟
** بالنسبة للأطفال أثبتت الدراسات أن الطفل لا بد ألا تتعدى فترة مشاهدته للتليفزيون أو الكمبيوتر نصف ساعة، فيأخذ فاصلاً بعد نصف الساعة يقوم فيه بأي نشاط حركي أو رياضي ثم يعود مرة أخرى للمشاهدة، وبالنسبة للإعلام المقروء فليس هناك ارتباط بوقت معين.
* وماذا عن الكبار وعدد الساعات التي يمكن لهم أن يشاهدوا فيها التليفزيون؟
** بالنسبة للكبار والبالغين يجب ألا تتعدى فترة المشاهدة مدة ساعة، يقومون أيضًا بأخذ فاصل بعدها يمارسون أي نشاط حركي رياضي ثم يعاودون مرة أخرى أو يكتفون بالساعة، خاصةً مع شهر رمضان وضيق وقته وكثرة التكاليف المطلوبة.
واحذري فإن عدم الالتزام بهذه المعايير، يؤدي إلى حدوث تشوهات في الجسم وترهلات في العضلات وورم في القدمين، ومع الوقت لن يكون هناك جزء في الجسم إلا وبه مشكلة ما.
* وماذا تقولين لأم تشتكي من أن زوجها يشاهد مواد إعلامية غير أخلاقية، وتخشى على أطفالها من ذلك.. فكيف تتصرف في ذلك الموقف؟
** عن طريق وضع ترمومتر أخلاقي وقيمي إسلامي لما يشاهدونه فيرفعون شعار "اقلب" فإذا وجد الآباء أن المادة المعروضة لا تتناسب مع القيم الإسلامية التي حددها لنا الدين الإسلامي الحنيف فيقومون بتغيير القناة فورًا؛ ليكونوا بذلك قدوةً لأبنائهم.
كما أن على الزوجة في الحالة السابقة أن تقوم بمحاولة تعديل سلوك زوجها سريعًا، فمن الممكن أن يكون الزوج يعاني إهمال زوجته له، فعليها أن تراجع نفسها أولاً وتقوم بتقديم بدائل كثيرة لزوجها، أولها أن تهتم به جيدًا وتحتويه حتى يتقبل منها وتصلح حال الأسرة جميعها.