لقد منَّ الله على عباده بنعم كثيرة وآلاء عديدة، منها هذا الشهر الفضيل، شهر الرحمة والمغفرة، شهر الرضوان والنعيم، شهر القرآن، شهر رمضان، هذا الشهر الذي تتضاعفت فيه الحسناتُ وتتنزَّل فيه الرحمات، ونحن أحوجُ ما نكون لأن نعرض أنفسَنا لرحمات الله عسى أن يُنزِّلَ علينا رحماتِه ويرحمَنا ويغفر لنا في هذا الشهر الفضيل.
إن في تعرضنا لرحمة الله أكبر جائزة يمكن أن نحصل عليها، "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً"، ولكن أنَّى لنا التعرض لرحمة الله في رمضان وأنَّى لنا أن نفوزَ بها لنسعد في الدنيا والآخرة، هذا ما سنحاول التعرض له كعناوين رئيسة:

1- احتساب الصيام لله: يقول صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وفي الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، فإذا صمنا رمضان وأخلصنا في حياتنا واجتنبنا ما نهَى الله عنه واتبعنا أوامرَه وأوامرَ رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا سيكون من موجبات رحمة الله بإذنه ومشيئته.

 

2- القرآن الكريم: فرمضان شهر القرآن، وهو وسيلةٌ عظيمةٌ لاستجلاب رحمات الله بقراءته ومدارسته ومعايشته والتخلق بأخلاقه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس:57).

 

ولنجعل من رمضان نقطةَ انطلاق نحو حياة جديدة لنا، فنأتمر بأوامره وننتهي عن نواهيه، ونحوِّله إلى واقع ملموس في حياتنا، وليكن رمضان بدايةَ دخولنا إلى عالم القرآن عسَى أن يشفع لنا يوم القيامة إن شاء الله.

 

3- قيام الليل: من مميزات رمضان أن الله عز وجل قد يسَّر لنا جميعًا قيام الليل، ولا يحتاج فيه المسلم المخلِص المجدّ لجهد جهيد في تعويد نفسه على القيام، فالمساجد كلها تقيم هذه السنَّة، والأجواء تكون مشبعةً بروح الإيمان، وبعض المساجد يزيد في بعض الأيام إلى التهجد (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين:26)، ويبقَى دورنا لننال رِضَى الله وتتنزَّل علينا رحماته، أن نسعى جاهدين لنتعرَّض لنفحات الليل، ودقائق السحر الغالية لنحيِها ما بين قراءة متدبرة للقرآن وركوع وسجود وخشوع وتفرغ للعلي القدير، فالتعرض لنفحات الليل واقتسام الغنيمة مع المجتهدين من أعظم وسائل غرس الإيمان في القلوب.

 

ولقد افترض الله قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والصحابة الكرام قبل أن تنزل الفرائض وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات الخمس؛ لأن الإنسان إذا خَلاَ بربه واتَّصل قلبُه به في جنح الليل ظهر القلبُ ونزلَت عليه الفوائد، فمن أهم فوائد القيام وثمراته في هذا الشهر الفضيل الفوز برحمة الله وعفوه وغفرانه.

 

4- الصدقة: لا بد أن نوقن أننا حين يُيسِّر الله لنا التصدُّق فهذه نعمةٌ من الله علينا أن أعاننا وهيَّأنا لذلك، وهيَّأ لنا مَن نتصدَّق عليه، فنحن المستفيدين منها في المقام الأول وليس آخذها (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (التوبة:103)، حين نخرج الزكاة أو نتصدَّق فذلك لتطهير النفس وتزكيتها، وقد ذكر العلماء أن من فضائل التصدق الكثيرة أنها تطفئ غضبَ الرب، وتدفع البلاء، وتجلب الرزق، فلنتصدق بما نستطيع وبأي قدر ممكن ومتاح، ولا نستقلّ ما ننفقه، وفي ذلك بدايةٌ للتخلُّص من جواذب الأرض، ولنَدْعُ الله أن يتقبل منا ما ننفق خالصًا لوجهه الكريم، ولندرِّب أبناءَنا على البذل والإنفاق ولو بالنزر اليسير، ففيه تعويدٌ لهم على الطاعات والبذل والانفاق ولا ندري ممن يتقبل الله.

 

5- ذكر الله: فذكر الله لذة العارفين، وهو من أسهل العبادات وأيسرها، فهي تؤدَّى في كل وقت، ولا تحتاج إلى إعداد معين أو شروط وواجبات (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ) (آل عمران:191)، فليكن لسانُنا رطبًا بذكر الله في كل وقت وحين، متدرِّبين على الأذكار وأعين لها، مكثرين من الاستغفار، ونحن صائمون ونحن في لحظات الليل والسكون، فلنغتنم هذه اللحظات ولنجتهد في مواطأة القلب للسان فيها (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28) عسى أن يكتبنا الله من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

 

أعاننا الله على الصيام والقيام والصدقة وحسن ذكره وحسن تلاوة وتدبر القرآن والعمل به وجميع الطاعات والقربات وتقبل منا رمضان ورفع به درجاتنا، وجعله نقطة تغيير فاصلة في حياتنا كلها، لننال بها رضوان الله وعفوه ومغفرته وفسيح جناته.