صرنا كل عدة أيام نسمع أو نقرأ عن موت فلان، أحد الرعيل الأول للإخوان المسلمين، فتنقبض- والله- نفوسنا؛ لأن قبض هؤلاء يعني قبض العلم، كما يعني قبض الحكمة والتجربة وميراث الدعوة وتاريخها.

 

والرعيل الأول هم جيل المحنة في 1954و 1965م، ممن عاصروا الفتن ورأوا العذاب، وودعوا إخوانًا لهم قضوا نحبهم تحت التعذيب أو على مقاصل عبد الناصر، فرعون الأمة وطاغيتها.

 

ومهما أثنينا على هؤلاء الناس فلن نوفيهم حقهم، فهم الذين استقر الإيمان في قلوبهم وأخلصوا دينهم لله، فكانوا نماذج صدق، ورجولة، وتضحية وإيثار، وتجرد، ولولاهم ما كنا ولا كانت دعوة، ولا كانت مؤسسات وشخصيات.

 

إنهم الجيل الذي حمل الأمانة في أوقات عصيبة، رغم بُعد الشقة وصعوبة السير، طمعًا فيما عند الله، فما انقصم لهم ظهر، وما شكوا وعورة الطريق، وإنما شمروا عن ساعد الجد، ملبين مضحين، لا يسألون أحدًا شيئًا ولا يطلبون من عبد جزاءً ولا شكورًا.

 

ولقد منّ الله علينا برؤية ومخالطة هؤلاء الأفاضل، فكنا- والله- نغبط أنفسنا أن رزقنا معرفتهم، ورغم أننا قرأنا كثيرًا وسمعنا كثيرًا عن بطولات وشخصيات، إلا أننا لم نر مثل هؤلاء، فكان أحدهم لا تتعدى ثقافته الإعدادية مثلاً، لكنه في مجال العلم والتزكية لا يماثله أحد، فكنا نسأل: أين تعلم هؤلاء الناس؟، ومن الذى علمهم؟، وكيف نصل إلى ما وصلوا إليه؟.. وقد أدركنا بعد فترة أن هؤلاء ثمار مدرسة حسن البنا- عليه رحمة الله- الذي استمد أسسها وقواعدها من مدرسة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

ولهذا جاء هؤلاء الأحباب على شاكلة الجيل الأول من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم وسلفه الصالح، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واتقوا وصبروا، وقاموا الليل وصاموا النهار، وباعوا أرواحهم وأموالهم رخيصة لله، فكان على الله أن يعلي قدرهم، وأن يبشرهم برحمة منه وفضل، وأن يجعلهم شامة بين الناس.

 

ولقد كنا ننتظر بشغف كتائب الإخوان، وأيام الثلاثاء، والرحلات الدورية، والأيام الثقافية؛ لأن واحدًا من هؤلاء سوف يحاضرنا، فوالله ما من صغير ولا كبير ولا مثقف أو غير مثقف إلا وكأن على رءوسهم الطير، يستمعون لهذا الأخ أو ذاك بحب وإنصات، وكنا نعلل ذلك- رغم كلماتهم البسيطة- بأنه الإخلاص والزهد فى الدنيا، فكانت كلماتهم تخرج من القلب لتدخل القلب... وقد كنا نسمع منهم مواقف وبطولات تستغرب حدوثها في هذا الزمان والمكان، إلا على يد هذه الطائفة التي أحسب أن الله تعالى قد اختارها لحمل دعوته، فسمعنا عمن باع أثاث بيته للتبرع لدعوته، ومن باع جاموسته لشراء بندقية للجهاد فى فلسطين، ومن باع دراجته وهي وسيلة انتقاله الوحيدة للمساهمة في بناء أول مسجد لجماعته.. إلخ.

 

ولأن هؤلاء الكرام قدموا لله، واحتسبوا ذلك بيعًا وقرضًا للغني الوهاب، فإن الله منّ عليهم وأفاض بالكثير والكثير.. لقد رأينا بأم أعيينا بعضهم يشكون كثرة المال، وكان قد دخل السجن وليس معه مليم واحد، ورأينا بعضهم يمتلك المزارع ويحصل على الدرجات العلمية العالية وهو الذي سُجن عشرين عامًا وخرج وقد اقترب من الخمسين من عمره ولم ينهِ دراسته بعد ولم يكن يملك شيئًا، فيصير بفضل الله من العلماء المبرزين ومن الأغنياء المعدودين.. إنه فضل الله يؤتيه من يشاء: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (القصص: 5).

 

كتبت هذه المقدمة الطويلة لأقول: إننا قصرنا مع هذا الرعيل مرتين، مرة عندما لم ننشأ لهم كيان يقوم بمتابعتهم والسؤال عنهم، وتلبية طلباتهم، خصوصًا أن منهم المرضى والزمنى ومن انفضَّ عنهم الأهل والأبناء ومن قست عليه الأيام، وقسونا عليهم مرةً أخرى عندما أبعدناهم عن الصف- إلا أيامًا معدودة- وهذا فيه ضرر نفسي كبير عليهم، عندما يشعرون أنهم يمكن الاستغناء عنهم، والضرر الأكبر: أننا لم نستثمرهم في عملية التوريث الدعوي، وفي الأمور التربوية ومجالات التزكية.

 

إن الدول والجماعات لا يفوتها- عادةً- إحصاء محاربيها القدامى، والاهتمام بهم، وإصدار الاستثناءات من أجلهم.. ودعوتنا- على حد علمي- أوفى في هذا المجال من كل الدول والجماعات، فلا أقل من أن تتبنَّى القيادة آلية معينة لتجميعهم وتفعيلهم، والاستفادة منهم.

 

ثم لماذا لا يسجل تاريخ ومذكرات الأحياء والأموات منهم.. وأنا أعلم أن لدى أحد الزملاء الإعلاميين كمًّا هائلاً من الحوارات (الفيديو) قام بتسجيلها في دار الدعوة بالتوفيقية في فترة من الفترات، لماذا لا نعيد قراءة هذه الحوارات، وننتج منها كتبًا أو أشكالاً صحفية، ترد بعض الجميل لهؤلاء العظماء الذين لاقوا الأهوال في سبيل دين الله، وكانت حياتهم كلها متاعب وتضحيات؟.. رحمهم الله وعفا عنا وعنهم أجمعين.