لا يخفى على أحد في العالم يتابع الشأن المصري ما تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين من تشويه في ماضيها وتاريخها، وما وقع لها من تشويش على واقعها ومستقبلها، وقلب لكثير من الأحداث بما يحقق تبغيضها للرأي العام، وإن كان التيار الإسلامي عمومًا ومنه الإخوان أعطوا الذرائع للإعلام في بعض المواقف أن يزيد من جرعة الهجوم عليهم!

 

لقد قام الإعلام بدور رهيب وحملة هائلة في أنظمة حكم سبقت لإظهار الإخوان والإسلاميين عمومًا بالإرهابيين والمتطرفين والظلاميين الذين يريدون أن يرجعوا بالشعوب القهقري، وينزلوا الناس من السيارات ليركبوا الخيل والبغال والجمال والحمير، وينقلوهم من التمدن إلى العيش في الصحاري داخل الخيام!

 

فلما أن قامت الثورات، وبخاصة في مصر التي توجد فيها الحركة الأم وأم الحركة، وحاز الإخوان بحزبهم ثقة الشعب وأوصلتهم صناديق الانتخابات إلى المجالس النيابية، والنقابات المهنية، بل رأس السلطة في مصر، قامت حملة منظمة لا تخفى على أحد لمحاولة تصوير المؤسسات المنتخبة بالعاجزة والفاشلة في الوقت الذي قام فيه مجلس الشعب فترة خمسة أشهر بما لم يقم به المجلس منذ نشأته، وحاول الإعلام أن يُلبِّس على الشعب المصري فعلق كل مشكلات المجتمع من رغيف خبز، ووقود، وأنابيب بوتاجاز وكل المشكلات المحلية اليومية، في رقبة مجلس الشعب ونواب الإخوان وجماعة الإخوان والتيار الإسلامي عمومًا؛ غاضِّين الطرف عن السلطة التنفيذية متمثلة في المجلس العسكري والحكومة المسئول الأول عما كان يجري من مشكلات.

 

وقد كان هذا كله من أجل تبغيض الشعب في الإخوان والإسلاميين عموما تمهيدا لأي انتخابات مقبلة- حسب تقديرهم بحل المجلسين- حتى لا يكرر الشعب اختيار الإسلاميين مرة أخرى فتكون الغلبة للتيارات الوهمية داخليًّا، والاطمئنان الدولي الخارجي على مصالحه داخل مصر.

 

ولكن أقدار الله جرت على عكس ما يريدون جميعا: "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله"، "ويمكرون ويمكر الله". ففاز الإخوان في الرئاسة بعد معركة أرهقت أعصاب الشعب، وطيرت النوم من عيونه بل من عيون العالم كله، وقام الرئيس المنتخب بجولاته وحركاته وقراراته وزياراته الداخلية والخارجية، التي جلب بها الاستقرار الداخلي والدعم الاقتصادي الخارجي، وبدأت حملة التطهير، فبدأ بالمجلس العسكري الذي كان يريد أن يتعشى بالرئيس فتغدى بهم قبلاً، وسقطت آمال الدولة العميقة ورجالاتها بعد وقوع سقفها وضياع ظهرها، وبدأت الأساطير تتهاوى، وبدأت امبراطورية البلطجيات تنكشف، وانتقل هذا التطهير إلى وزارات ومؤسسات آخرها وزارة الأوقاف ووزارة الدفاع، وسوف يستمر التطهير سنين عددًا.

 

أقول لقد عمَّق الرئيس المنتخب وجوده في موقعه، وأصبحت الرئاسة في مصر حرة وطليقة من الازدواجية، وأصبح محمد مرسي رئيسًا حقيقيًّا منذ 12 أغسطس الذي يعتبر يومًا فارقًا في تاريخ مصر الحديث.

 

أثناء هذه الحملات المنظمة لتشويه الإخوان وإفشال رئيسهم وبرلمانهم وتبغيضهم لدى الشعب- وقد نجحوا نجاحا ليس بالقليل في هذا- أصبح لدى الإخوان ومن سلك سبيلهم خوف من أي فعل يفعلونه، ومن أي خطوة يريدون أخذها، وأصبح التيار الإسلامي كله يتوجس خيفة، ويحسب ألف حساب للإعلام وما سيقوله، حتى استقال الرئيس من حزبه، ومن جماعته اللذين أوصلاه لمقعد الرئاسة بالحملات المتتالية والمؤتمرات المتتابعة، ومن قبل هذا وبعده لطف الله وتقديره وعونه، وهذا ما لا يحدث في العالم كله؛ أن يستقيل الرئيس من حزبه أو جماعته بحجة أن يكون رئيسًا لكل المصريين.

 

وأصبحت يد الحزب والإخوان مترددة أن تقوم بأي فعل أو تواصل طبيعي مع الرئيس حتى لا يتأكد كلام الإعلام بأن المرشد هو الذي يحكم وليس الرئيس، مع أن تواصل الإخوان أو حزب الحرية والعدالة تواصل طبيعي كما يتواصل الرئيس مع باقي الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات الوطنية، فإذا ما حضر إخواني في لقاء رئاسي سُلطت الأضواء عليه وتركت الباقين، وكأن الإخوان وحزبهم أتوا من المريخ ولم ينشئوا على أرض مصر، ولم يضحوا من أجلها، أو يستحقوا أن يكونوا مواطنين كباقي المصريين!

 

حتى إنني سمعت العالم الجليل والداعية الموفق فضيلة أ.د. عبد الرحمن البر يقول على قناة الجزيرة مصر في إحدى حلقات برنامج "سياسة في دين": إنه يخشى أن يقابل الرئيس ويسلم عليه حتى لا يتحدث الإعلام ويتخذ ذلك ذريعة للشعارات الجوفاء التي صدرها الإعلام للمشهد العام مثل: "سيطرة الإخوان"، و"أخونة الدولة" و"حكم المرشد"، وما إلى ذلك.

 

أقول: إذا كانت الأنظمة السابقة حرمت مصر من أن تستفيد من عطاء الإخوان، ومن تخصصات أبنائها وما كان سيحققه ذلك من نهضة ورفعة لمصر، فلا يقبل من الإخوان أن يتأخروا عن نداء العقيدة ونداء الوطن وقد أصبحوا اليوم في صدارة القيادة خشية كلام الإعلام أو الرأي العام أو النخبة بل النكبة التي تُصدِّر للرأي العام أوهامًا لا أساس لها في الوقاع، والأمر كما قال شوقي:

أَبَوا  الخُروجَ  إِلَيكَ مِن أَوهامِهِمْ        وَالناسُ في أَوهامِهِمْ سُجَناءُ

وَمِنَ العُقولِ  جَداوِلٌ وَجَلامِدٌ        وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ

 

فلينطلق الإخوان والتيار الإسلامي كله من أسر هذا الإعلام المدلس، وليعطوا لمصر ما تستحق من عطائهم وخبراتهم وكوادرهم، وبخاصة أن الرئيس مرسي بقراراته وتحركاته في الداخل والخارج يُعبِّد الأرض ويُمهِّد السبيل أمامهم وأمام المخلصين والوطنيين والشرفاء جميعا لخدمة مصر ونهضة مصر.

-----------

* رئيس مركز بناء للبحوث والدراسات