ربما كان شعار "النهضة إرادة شعب الذي كان مصاحبًا للحملة الانتخابية للدكتور محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، هو الشعار الأقوى على الإطلاق من ين كل شعارات المرشحين، حيث استمد هذا الشعار قوته من عدة عوامل: الأول أنه واضح ومباشر ويعكس رغبة الناس في التغيير ببساطة، والثاني أنه يدفع الناس للأمل والحلم ويحمل في طياته الطموح.
وهي معانٍ كاد أن ينساها الشعب المصري من كثرة ما ألمَّ به من أزمات ومصاعب، والعامل الثالث أنه يعتمد على فكرة المشاركة، فالشعار يقول إن النهضة هي مطلب شعب وإرادة شعبية، بما يعني أنه من الطبيعي أن يشارك في إحداث هذه النهضة التي يريدها، وأن حلم النهضة نفسه لن يتحقق إلا إذا أدرك الشعب أن له دورًا حيويًّا في تحقيقها عن طريق المشاركة بالفكر والجهد والمال.
قيمة هذا الشعار أنه واقعي وضروري، بمعنى أنه ليس شعارًا استهلاكيًّا ينتهي بمجرد الفوز في الانتخابات، بل إنه يعتمد في برنامجه أصلاً على فكرة المشاركة، والفهم العميق إنه في حالة مثل الحالة التي تخرج فيها بلد من ثورة على ظلم استمر أكثر من ثلاثين عامًا، خربت فيها البلاد، بما فيها التخريب النفسي والذاتي للناس أنفسهم؛ ذلك التخريب الذي طال الأخلاق والقيم والتركيبة المعروفة للشخصية المصرية، وعلى مدار هذه السنوات تراكمت مظالم واحتياجات حقيقية، لو نفر الناس لطلبها جميعًا، وفي وقتٍ واحدٍ لما استطاعت أي حكومة مهما كانت كفاءتها في الظرف الحالي أن توفَّى بها، والأخطر أنه ستنصرف عن مشروعها الرئيسي وعملية البناء الموكلة إليها، ليضيع وقتها في عمليات إطفاء الحرائق، تلك الحرائق الناشبة من احتجاجات الناس التي يعترف الجميع أنها حقيقية وطبيعية.
والمشكلة الحقيقية ستكون إذا انفصل الشعب عن أهداف مشروع الرئيس والحكومة، ليتحول الطرفان من مبدأ المشاركة، إلى مبدأ: "أنا أريد وأنت عليك التنفيذ"، وإلا سأعترض وأتظاهر، مع الإقرار بأن هذا الوضع طبيعي في حالة دولة مستقرة قامت واكتملت مؤسساتها، ليس في دولة خرجت من ثورة وتعيش حالةً بين الحرية والفوضى.
وانفصال الشعب عن عملية البناء يعني فشل المشروع أو تعثر البناء بشدة، والعودة مرةً أخرى إلى التفكير في الذات والبحث عن المصالح الشخصية، لا مصلحة الوطن والتفكير في المجموع، وسنصاب بمرض الأنانية الذي أن تمكَّن منا، فإننا ساعتها سندمر أنفسنا بأيدينا بعد أن سعى نظام مبارك لتدميرنا.
والسؤال.. ما مدى شعور الشعب الآن برغبته في إحداث نهضة؟
ما مدى مشاركة الشعب في عملية الإصلاح؟
ما مستوى وعي الناس وإدراكهم لدورهم في إحداث عملية التغيير المطلوبة؟
أعتقد أننا نحتاج إلى عملية تفعيل أكثر، تتطلب:
أولاً: رفع الوعي العام، ثم وضع برامج واقعية لمشاركة الناس حسب إمكاناتهم وقدراتهم؛ لذا.. أرى أنه من المفيد نشر عدد من القيم والأفكار التي تسير في اتجاه النهضة، بما يقلل من المشكلات، ويعطي دفعة أكبر للإنجاز أولاً: على مستوى التيارات السياسة، وبين المسلمين والمسيحيين التعاون والتواصل هناك اتفاق على أن المهمة صعبة، وأن هذا الصعب سيصبح مستحيلاً إذا قام فصيل واحد بالتصدي له، لأسباب تتعلق بأن عملية البناء لوطن يعيش فيه الجميع، ينبغي أن يشارك فيها الجميع، وأخرى تتعلق بأن القوى السياسية التي لا تشارك في عملية البناء ستبحث عن وجودها في الغالب بالبحث عن الذات عن طريق المعارضة العنيفة بغرض وضع الطرف الآخر دومًا في موضع الخطأ.
إلا أن هناك مشكلة خفية تعرقل موضوع الوحدة، وتعطل حدوث الانسجام المعقول بين هذه القوى، وخصوصًا بين الكيانات الكبرى، وهي إشكالية تحقيق التوازن بين العمل معًا بغرض التعاون في البناء، وبين المنافسة السياسية في الشارع، لذا.. تخاف بعض القوى السياسية من بعضها البعض، وتحدث نفسها أحيانًا بأنها قد تخدم الطرف الآخر على حسابها، وعليه فلا بد من الوضوح في هذا الأمر، بالحديث بواقعية، والإقرار بمبدأ المشاركة مع وجود المنافسة، وكيفية التوفيق بينهما.
أما فيما يخص التعاون والتواصل بين المسلمين والمسيحيين، فلا زال الكلام هو سيد الموقف، أما التعاون والتواصل عن طريق برامج مشتركة يشارك فيها الطرفان، فلا زال الكثيرون يتحرجون منها.. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية 2).
ثانيًا: على المستوى العام
نحتاج إلى بث مجموعة من القيم المهمة مثل:
1- الصبر
ومفهوم الصبر الذي نريده الآن غير مفهوم الصبر الذي كان يفهمه الناس أيام مبارك، وهو مفهوم الاستسلام والتواكل والرضا بالأمر الواقع، بل المقصود هنا هو الصبر الواعي، صبر من يريد البناء، الصبر المصاحب للعمل، الصبر الذي يعرف صاحبه أن الزمن جزءٌ من العلاج، وأن علبة الدواء ستكون سببًا في الشفاء بإذن الله إذا تناولها المريض بالتدريج، وهي نفسها ستكون سببًا في وفاته، إذا ما تناولها جرعة واحدة، متوهمًا بأنه سيشفى لحظيًّا.
نريد أن يتغير مفهوم الصبر لدى الناس، ليصبح مثل صبر الطالب الفقير على التعب من أجل النجاح، وصبر صاحب المشروع التجاري على مشروعه حتى يدر عليه دخلاً مناسبًا.
ولكي نصل بالناس إلى مرحلة الصبر الواعي، لا بد من إعلامهم بحقيقة الأمور، ومدى الصعوبات التي تواجه متخذي القرار، وما هي سياسيتهم في عملية الإصلاح.
الاحتجاج مطلوب، والاعتراض حق للجميع، ولكن الاحتجاج بوعي، و الاعتراض بفهم، يصبحان الآن ضرورة لشعب يريد أن يشارك في بناء دولته الجديدة.
2- عدم الأنانية، والإيثار:
في المجتمعات التي تمرض فيها الأخلاق، يزداد التجار توحشًا عند حدوث الأزمات، ويبحث كل فرد عن نفسه فقط دون التفكير في غيره، أما في المجتمعات التي تتمسك بالخلق الحسن المستمد من دين الله، يرق فيها التجار لأحوال الناس، ويفكر كل فرد في غيره كما يفكر في نفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ونحن في أوقات أزمة، ستقل مشاكلنا إلى النصف إذا ما فكَّر كل واحد في حل مشكلة واحد غيره، ونكون بذلك قد تخلينا عن خلق رذيل اسمه "الأنانية "، وبعدها سيكون الطريق مفتوحًا بإذن الله لخلق جميل ورائع اسمه "الإيثار"، وسنراه كما كنا نراه في عصر الإسلام الجميل، عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم.
قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: من الآية 9).
3- العمل:
كانت الدعوة إلى العمل تثير استفزاز الكثيرين عندما يطالبهم أحد بالمزيد من الجهد في ظلِّ نظام فاسد دمر العلاقة بين العمال والموظفين ومؤسساتهم، إلا أن هذه الدعوة الآن، لا زالت لا تشعل حماس الناس أيضًا، والى أن يتم إصلاح العلاقة بين العامل والموظف ومؤسسته لتصبح علاقة صحية، ينبغي أن نثير أهدافًا أخرى لدى الناس، مثل العمل من أجل الله، وأن إتقان العمل أمر يحبه الله، وأن هذا الإتقان لا يتحقق إلا بزيادة الكفاءة عن طريق الإقبال على التدريب، ومحاولات التعلم الذاتي من أجل زيادة الإنتاجية وجودتها.
إن الحافز الذي يدفع الموظف والعامل لزيادة الجهد والإتقان في العمل، إما أن يكون حافزًا ماديًّا، أو أن يكون هدفًا ساميًّا يجعله لا يقيس عمله بمدى ما يكتسبه من مال، مثل الأهداف الدينية والخيرية والوطنية، والأهداف التي تصب لصالح الناس والعطاء للمجتمع.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
هذا المنطق هو الذي جعل اليابانيين يتبرعون من تلقاء أنفسهم بساعتين عمل إضافيتين، بعد الإعصار الذي دمر مناطق واسعة في اليابان في عام 2011م.
4- التوكل على الله:
إن عدم ربط ما يحدث بقدرة الله سبحانه وتعالى، وسنن الله في الكون وحركة التاريخ، يجعل الناس تنفصل بعد فترة عن رؤية الأحداث برؤية إيمانية، وتجعلهم لا يهتمون إلا بالنواحي المادية دونما اعتماد على الله في مساندتهم واستكمال طريقهم، نريد أن يصل للناس أن الله هو الذي أنقذنا، وأن الله سيكمل معنا الطريق، ولكن علينا أن نصر على مواقفنا ومبادئنا وندافع عن ديننا وقيمه وأخلاقه، وألا نضعف تحت ضغط المادة والحاجة، مثل أناس كثيرين فضلوا أن يعودوا لنظامٍ قديمٍ بكل مساوئه، بعد أن شعروا بالتعب من مشوار طوله عام ونصف.
5- التبين من الشائعات:
الانتقال من نظامٍ قديم فاسد إلى نظام جديد، يجعل هذا النظام القديم يبحث بشراسةٍ عن وجوده ومصالحه، ووجود تنافس سياسي قد يصل إلى خصومة ويتطور أحيانًا كثيرة إلى فُجر في الخصومة، وفي جو حرية قد يستغله البعض في إحداث فوضى، كل هذا يدعو الكثيرين أن يكذبوا وينشروا الشائعات والأكاذيب، نريد أن ننبه الناس لذلك، بأن ندعوهم إلى فضيلة "التبين" التي دعانا إليها القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ 6) (الحجرات).
حتى لا نجعل من الصالح فاسدًا ومن الفاسد صالحًا، فنحبط المخلصين الذين يريدون بنا الخير، ونرفع من الذين لا يريدون إلا مصالحهم، وسيكون الناس في النهاية هم المتضررون.
نريد أن ننشر ثقافة مواجهة الشائعات وعدم الاستسلام للأكاذيب، ففي هذا حماية للمجتمع والناس، ولمشروع نهضة، نريد ويريد الناس أن ينجح بالتأكيد.
هذه بعض القيم والأفكار التي أرى أنها ضرورية لأن تكون محاور للدعوة والإعلام، وبالذات في المساجد، والتي أرجو من دعاتها أن يدركوا أهمية المرحلة التي نعيشها، بدلاً من أن يصروا على الحديث في موضوعات ينبغي أن تؤجل لصالح موضوعات حيوية تخدم نهضة الأمة وعودة الإسلام بقيمه وتعاليمه على أرض الواقع.
وإذا وصلنا إلى تفعيل هذه القيم في المجتمع، سيتحقق وقتها الشعار الأثير، و ستصبح بالفعل .. النهضة إرادة شعب.
----------