الطريق من القاهرة للإسكندرية طويل ورائع معًا، ولكن في هذه الرحلة لم يكن طويلاً وكان أكثر من رائع.. والسر يكمن في تلك الصحبة.
مجموعة من الشباب والكهول يغلقون نوافذ الحافلة السياحية عل المكيفات تهدئ حر الظهيرة ويستحضرون دعاء السفر، وبين الفينة والأخرى يتواصلون مع العالم الخارجي عبر (الموبيلات): إيه.. ركبنا.. الله يسهل!، وقبل أن تلوح الأهرامات وبوابات الطريق الإلكترونية لحق بالركب اثنان من المجموعة لتبدأ الرحلة!
- عمو ممكن تنشدنا وتشجينا؟! قالها ذاك الشاب الضحوك الذي تزعم إدارة فعاليات الرحلة، وتجاوب معه بعض الشباب في سؤال (عمو) الذي ركب لاحقًّا واستعطافه! لم يكن (عمو) هذا سوى المنشد المعروف: "أبو راتب"!! نعم "أبو راتب" مرة واحدة جاءني صوته من الخلف يتلطف الشباب: وحدوا الله يا جماعة، سيذهب صوتي في الصيام، اتركوني لبعد الإفطار! رضخ الشباب لرجاء (عمو) وتحولوا إلى (أحمد) الجالس في المقعد الأمامي: يا الله يا أبو حميد روّح عنا، وبحماس الشباب بدأ أحمد في إنشاد موال شعبي معبأً بالأشواق والحنين للأهل والديار في بلاد الشام لا تملك أن تحبس دموعك وتغالب شوقك لتلك الديار الطاهرة التي ابتليت بشر خلق الله يعيثون فيها الفساد ويحرقون البلاد والعباد، والشباب يرددون خلف أحمد الأهازيج والأناشيد الجميلة، ويتحمس أحدهم ليغني مجموعة منتقاة من أناشيد "أبو مازن" و"أبو الجود"، وعندما يتوقفون قليلاً يسألون المرافق عن أسماء الأماكن التي تلوح على جانبي الطريق، وأحيانًا يسألون: هل وصلنا؟
كان لا بد من انتهاز الفرصة التي لا تتكرر كثيرًا: الطريق طويل ومعنا "أبو راتب"، لا بد من حوار معه ليعرف الناس هؤلاء الذين يقاتلون باللحن الجميل والكلمة الصادقة والفن الهادف!
أحمد، ابني الشاب الذي يرافقني في هذه الرحلة تعهد بأن يسجل الحديث ويسيطر على شقيقه الصغير حتى أتم الحوار، ومن الكرسي الخلفي جاء (عمو) باسمًا هادئًا مرحبًا ليحكي عن مولده ونشأته في مدينة حلب 1962، ودراسته في معهد الموسيقى العربية فيها، ثم التحاقه بركب الدعوة ليسخّر تلك الموهبة الفذة في خدمة دينه وأمته وتخريج أجيال من الموهوبين والمحترفين في مدرسة النشيد الإسلامي الهادف الذي يخاطب الروح والوجدان، ويسمو بالمشاعر والأحاسيس ويشعل القلب حماسًا وحبًّا للقيم المتضمنة في تلك الأناشيد، علاوة على استشعار حلاوة وجمال وعذوبة اللغة العربية الفصحى التي تؤدي بها.
هذا الرجل ارتحل مع أسرته فترة طويلة قاربت العقدين لأمريكا حصل فيها على الدكتوراه من إحدى جامعاتها ويمارس العمل الأكاديمي في إحدى الجامعات العربية الآن، ويفخر بأنه أب لخمس بنات أكبرهن تدرس الإخراج المسرحي في أمريكا وتعتز بحجابها أيضًا.
حاولت جاهدة ألا أكثر من الأسئلة خاصة وهو يسترسل من نقطة لأخرى ويؤكد على أهمية الارتقاء بالذوق عن طريق النشيد الإسلامي، وضرورة صقل المواهب الفنية بشكل منهجي، ولكن سؤالي الملح كان يتمحور حول أهمية وجود الأناشيد والأهازيج والأغاني ذات المضامين "لفظًا ومعنى" باللهجة العامية- الشامية هذه المرة- التي تعبر عن أحلام رجل الشارع البسيط وتصوغ تطلعاته بشكل فني راق تمامًا كما نجح المبدع حمزة نمرة في ألبوم "احلم معايا" وألبوم "إنسان".
الشباب من خلفي يتابعون الحوار ويلتقطون الصور ويداعبون "يوسف" طفلي الصغير الذي يميل على أذني بين الفينة والأخرى: هم بيتكلموا سوري!! نعم يا صغيري إنهم يتحدثون بـ"السوري" ونصفهم من الجيل الثاني الذي ولد في المنافي، والنصف الآخر لم ير بلده منذ عشرات السنين، ولكنهم جميعًا يحملون بلدهم في قلوبهم وأرواحهم على أكفهم فداءً لهذه البقعة الجميلة من أرض الله وقد اغتصبتها عصابة طائفية همها الأول إراقة دم الشعب السوري قربانًا لمطامعهم وأهوائهم المنحرفة، ويتآمر معها في سفك دم هذا الشعب الحر الأعزل عصابات مجرمة تحكم دولاً وتبطن كل المكر والحقد للعروبة والإسلام والإنسانية.. والمقابر الجماعية اليومية شاهد على ذلك!
لقد جاء هؤلاء الشباب والكهول من دول عدة ضمن فعاليات الحملة العالمية لنصرة الشعب السوري ويطوفون المحافظات في مصر وهم يتقاسمون الجرح والمعاناة مع إخوانهم ويلقون الترحيب والنصرة من الرئاسة والشعب المصري وقد منَّ الله عليهم وجمعهم على قلب رجل واحد تترقبه بلاد الشام بفارغ الصبر ليوحد الرايات ويهزم الأعداء ويمكن للحق والعدل والحرية في أرض الفرات والنيل.
لقد وصل الركب مشارف الإسكندرية ولاحت أمواج البحر المتوسط على جانب الطريق.. ذات البحر الذي يغسل وجه المدن السورية الساحلية كل يوم وقد شوهها الغاصبون، ولكنه لم يستطع مسح عبرات خنقت حناجر الشباب وقد تصاعد هتافهم: يلعن روحك يا بشار! وتعدد تلك الأهزوجة مساوئ تلك الأسرة المجرمة التي تستبيح سوريا، وتلحق بكل اسم فيها اللعنة ليجيء صوت من المقعد الخلفي: دخيل الله.. ناموا يا جماعة.. بطلوا تلعنوا.. اذكروا الله!
لم يكن هذا الصوت إلا صوت أبو راتب وقد استأذن لينسحب إلى المقعد الخلفي ويقرأ ورده القرآني، ويستعد لتقديم أناشيد الثورة في المؤتمر الحاشد بعد الإفطار.. وقد كان!