حملة الابتزاز ضد الإخوان تزداد كثافة وسخونة، ولا يترك مروِّجوها شاردة ولا واردة إلا تصيَّدوها.. هجومًا وتشكيكًا وتخويفًا للمجتمع، وقد طالت تلك الحملة معظم القرارات الصادرة مؤخرًا من رئيس الجمهورية؛ بدءًا من تشكيل الحكومة حتى اليوم، ومازالت الحملة متواصلة.. ومن بين فعاليات تلك الحملة المزاعم التي تم الترويج لها على نطاق واسع قصة إدخال مادة علمية في المناهج الدراسية عن الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، واتجاه وزارة التربية لفصل الطلاب عن الطالبات في المدارس المختلطة.

 

وما يثير الاستغراب هنا، أن سرعة النفي هي سيدة الموقف في الرد على معظم التهم من قبل المعنيين في حزب «الحرية والعدالة» أو الوزراء المعنيين، وكأن تلك التهم جرائم يجب سرعة التخلص منها، وكنت أتمنى أن يكون الرد أكثر توازنًا، فيتم نفي ما يجب نفيه، والتوقف عند ما فيه حق للإخوان ورموزهم التاريخية، وعلى رأسهم الشيخ حسن البنا، وقد تابعت حوارًا للدكتور غانم، وزير التربية والتعليم، مع الإعلامي المحترم عمرو الليثي، نفى فيه أمرين نفيًا قاطعًا؛ الأول: وضع أي مادة دراسية تخص الشيخ حسن البنا في مناهج التعليم، والثاني: الفصل بين الجنسين في المدارس.

 

ولا أدري لماذا السرعة في النفي القطعي من قبل سيادة الوزير، أو من قبل بعض مسؤولي حزب «الحرية العدالة»؟ اللهم إن كان قطعًا للطريق على مزيد من موجة الابتزاز الدائرة هذه الأيام عن «أخونة الدولة»، وقد بات الأمر من السادة المسؤولين النفي القاطع لذلك كل في مجاله.. بالطبع فإن وزير التربية نفى خبرًا لم يحدث، ولديه حق، ولكن كان عليه وعلى كل من يتصدى للنفي من حزب «الحرية والعدالة» التوقف - في رأيي - عند تاريخ وجهاد ومسيرة الشيخ حسن البنا لينصفه ببعض الكلمات، خاصة أن تاريخه وشخصيته وسيرته نالها من التشويه والاعتداء والظلم ما لم تنل شخصية أخرى في تاريخ مصر منذ اغتياله عام 1949م حتى ثورة 25 يناير 2011م.

 

وأود هنا التوقف قليلًا أمام أوسع عملية لتشويه مناهجنا الدراسية ومسخها، تمت في تسعينيات القرن الماضي في عهد النظام البائد، وقد كنا كصحفيين شهودًا ومتابعين وراصدين لما قام به كل من د. فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب المسجون، حينما كان وزيرًا للتعليم، ثم د. حسين كامل بهاء الدين، وزير التعليم الذي جاء بعد سرور، حيث جرت أوسع عملية «غربلة» لمناهجنا التعليمية في كل المراحل الدراسية؛ لرفع كل ما يغضب الكيان الصهيوني فيها من مواد تاريخية أو حتى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، حتى تم ضبط المناهج بما يرضي الكيان الصهيوني، بينما ظلت مناهج هذا العدو حافلة بكل ما يعادي العرب والمسلمين.. ولقد قام فضيلة د. جمال عبدالهادي، الداعية الإسلامي المعروف وأستاذ التاريخ الإسلامي، وخبير التعليم المعروف الأستاذ علي لبن برصد تلك الجريمة الكبرى والتاريخية التي جرت على مناهج التعليم في سلسلة من الكتب العلمية بيَّنت كل المحذوف من المناهج وخطورة المناهج الجديدة، وكان ضبط هذه السلسلة من الكتب - حينها - بمثابة دليل اتهام أو جريمة في عرف النظام في ذلك الوقت.. أقول: كان صوت هذين الرجلين وصوت جريدة «الشعب» التي أغلقها «مبارك» هو الصوت الوحيد الذي فضح مخطط تجفيف منابع الدين، ومسخ مناهج التعليم لحساب الصهاينة، يومها لم نسمع صوتًا لأولئك الذين يعلو صراخهم اليوم، زاعمين أن المناهج ستشهد مادة علمية عن الشيخ حسن البنا! لقد أصيبوا بالعمى والخرس عندما كانت المناهج تضبط على هوى الصهاينة، وانطلق لسانهم على واقعة لم تحدث تخص رجلًا عاش واستشهد في سبيل قضايا أمته، وشهد تاريخه من التضليل والتزوير ما لم تشهده شخصية وطنية في مصر عبر الكتب والمسلسلات والصحافة.

 

والقضية عندي ليست إنصاف الشيخ حسن البنا اليوم في مناهج التعليم، ولكن القضية هي مَنْ يسارع بنفي ذلك، وكأن ما يمكن أن يحدث هو جريمة - كما قلت آنفًا - ينفيها عن نفسه، أو إذا حدثت ستحدث كارثة، وكنت أود أن يضيف المتحدثون برفض حدوث ذلك أن يضيفوا سطرًا واحدًا على تصريحاتهم ينصفون فيه الرجل وتاريخه، ويذكِّرون فيه أولئك المتصيِّدين اللاهثين وراء تفجير أي قضية من لا شيء بأن الشيخ حسن البنا شخصية مصرية وطنية إسلامية يستحق تاريخها الناصع أن يتعلمه أبناؤنا مع غيره من الشخصيات الوطنية التي غُيِّبت في عالم النسيان.

 

لقد آن الأوان لإنصاف رموزنا الكبيرة، ورد الاعتبار إليهم في الإعلام والتعليم، وأطالب كل قلم شريف أن يتبنى تلك القضية المهمة؛ رحمة بالأجيال التي ضُللت، وعدلًا مع الأجيال الجديدة.. نعم سيقابل ذلك بصراخ تلك الفرقة الجنائزية التي لا تكف عن لطم الخدود وشق الجيوب، لكن صراخها لا قيمة له بعد أن سقط عازفوها في أبسط محكات العدل والحرية والإنصاف.