ثارت ثائرة العالم الإسلامي إثر بث جزء من الفيلم المسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي أعده رجل صهيوأمريكي، وهو هو الذي أحرق المصحف الشريف من قبل، وهذه الثائرة مؤشر خير ودليل بركة على أن الأمة الإسلامية ما زالت موجودة، فيها الروح، وفيها القوة، وفيها الأمل، يعز عليها رسولها، فتَهدرُ كموج البحر، وتزمجر كهبوب الريح، وتزأر كصوت الأسد؛ تحمي مقدساتها، وتنتصر لدينها.  

وهكذا أمة الإسلام دائمًا، قد تضعف، ولكنها لا تموت، حتى وهي ضعيفة يستفزها عن آخرها المساسُ بمقدساتها العظمى وشعائرها الكبرى، ولا أدل على ذلك من أهلنا في سوريا؛ فرغم الدماء والجراح والأشلاء والشهداء قاموا لينتصروا لرسول الله ـ بأبي هو وأمي ـ وهذا دليل قاطع على أن الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم!. 

طبيعة الانتصار الصحيح

والانتصار للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يكون بوسائل عملية فاعلة، ولا يكون بانفعالات تظهر فجأة ثم تختفي، وإن كان ذلك بحد ذاته محمودًا شريطة أن يكون سلميًا لا يتعرض لشجر ولا مدر، فضلاً عن انتهاك حرمة بني آدم!. 

يكون الانتصار للنبي المختار بإبراز سماحة سيرته وعزتها وقوتها في الحق، وبيان معالم الحضارة والرقي، وإظهار سمو أخلاقها ورقي تعاملها حتى مع المخالفين بل المعادين: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6). 

يكون بتدريس سيرة نبينا صلوات الله عليه لطلابنا في المدارس والجامعات، وتكون سيرته الشريفة محل مدارسة وتعليم في المدارس والأسر والأندية وأماكن الاجتماع البشري؛ ولا عجب، فهو أعظم إنسان مشى على الأرض، الذي أكمل البناء، وقوى البنيان، وتمم مكارم الأخلاق، صلى الله عليه وسلم. 

ومن المعلوم أنها ليست المرة الأولى أن يساء لرسولنا صلى الله عليه وسلم، كما أنها لن تكون الأخيرة، وحسبنا ما أورد القرآن الكريم من آيات كريمة سردت سفاهات وبذاءات وإساءات الكفار والمشركين، فقد اتهموه بالجنون والسحر والكهانة والشعوذة وغير ذلك مما لا يليق بعاقل فضلاً عن نبي مجتبى ورسول مصطفى. 

كما أن النبي محمدًا ليس بدعًا من الرسل: (قل ما كنت بدعًا من الرسل)، فلقد لاقى الرسل والأنبياء جميعًا من قبله هذه الإساءات، وواجهوا هذه البذاءات من حثالات البشر الذين أوردهم الله تعالى موارد الهلكة، وألقى بهم التاريخ في دركاته؛ فلا تحس منهم من أحد، ولا تجد لهم ذكرًا ولا أثرًا. 

ولقد تكفل الله تعالى بحفظ المرسلين، وكفالة النبيين؛ كيف لا؟ وهو الذي أرسلهم، وهو الذي اجتباهم واصطفاهم وكلفهم؛ فإن الله تعالى لا يترك رسله يُتَخطَّفون في الأرض: "والله يعصمك من الناس"، " إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ"(الحجر:95)، " وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ"(الشرح:4).

فوائد الإساءة!

لكن العجيب في هذه المشاهد الساخرة العابثة الماجنة أنها تأتي بعكس ما يراد لها، وبنتائج مغايرة تمامًا لما أعدت هذه الإساءات من أجله، وحسبنا أن نذكر ما يلي:

1.      تجديد الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس على مستوى فرد أو مجتمع أو بلد، وإنما على مستوى الأمة كلها؛ فهذه الأحداث تقرع قلوب الأمة باسم نبيها محمد عليه السلام، وتطلق الألسنة بالصلاة والسلام عليه مئات المرات في اليوم والليلة، وتزيد من محبته وولايته والتصديق به والاقتداء بسنته، وهذا يعطى الأمة قوة ووحدة وتماسكًا عبر التفافها حول رسولها الكريم وسنته المشرفة.

2.      الإقبال الهائل من الغربيين غير المسلمين على المراكز الإسلامية في بلاد الغرب، فقد حدثني أكثر من أخ لنا هناك بمدى الإقبال غير المتوقع من غير المسلمين للتعرف على هذا النبي الذي يساء إليه، ومن هو، وما رسالته، ولماذا يساء إليه وقد مات منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، ومن ثم يعتنق الإسلامَ منهم مئات بل ألوف.

3.      إثارة الذعر في قلوب الإدارات الغربية التي تحاول تأخير تزايد الإسلام ومعتنقيه في بلادهم؛ إذ الإسلام يكتسح بلاد أوربا وأمريكا وغيرها اكتساحًا، وتتضاءل نسبة الأديان الأخرى إذا ما قورنت به، وقد عرض فيلم منذ فترة ينتهي إلى أنه خلال عقود قليلة جدًا سيتغير الغرب تمامًا ويصبح الإسلام سائدًا؛ ذا راية مرفوعة، وكلمة متبوعة، وأغلبية حاكمة.

4.      محاولة تحريك الكيانات الدولية لإصدار قانون يجرم هذه الإساءات لأي نبي ولأي دين، فلا توجد حرية مطلقة في التصور الصحيح ولا الواقع المنضبط، وإنما تنتهي حريات الناس عند حريات وحرمات الآخرين.

5.      ظهور من يريدون الفتنة بمجتمعاتهم، وهذا حدث في أكثر من بلد، منها ليبيا، ومنها مصر، وقد ظهر في مصر عند السفارة الأمريكية مأجورون- بحسب تصريحات د. هشام قنديل رئيس الوزراء المصري- ممن كانوا يخرجون في المواسم المختلفة، يريدون عرقلة الحكومات وإحراج الرؤساء وتأخير البلاد والعباد، وهؤلاء يتعقبهم القانون ويلقون جزاءهم حتى يتلاشوا شيئًا فشيئًا مع ظهورهم في كل حدث. 

هذه فوائد قليلة من كثيرة، فلنطمئن نفسا، ولنهدأ بالاً، ولنتفاءل خيرًا، وينبغي ألا تنتهي نصرتنا عند الهتافات والشعارات والمظاهرات، بل يكون حب النبي واتباعه وتدريس سيرته ونشر أخلاقه والتأسي بها هو ديدننا ودأبنا، وإلا فلن تغني عنا مظاهراتنا ولا شعاراتنا ولا هتافاتنا شيئًا، أو كما قال الداعية والمصلح الكبير الشيخ محمد الغزالي في مقدمة كتابه الرائع فقه السيرة: "محمد صلى الله عليه وسلم ليس قصة تتلى في ميلاده كما يفعل الناس الآن، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضمّ إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبّه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون، ويتأوّهون أو لا يتأوهون!. فرباط المسلم برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير- في الإبانة عن تعلقهم بنبيّهم- إلا يوم أن تركوا اللباب المليء وأعياهم حمله، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال؛ ولما كانت هذه المظاهر والأشكال محدودة في الإسلام، فقد افتنّوا في اختلاق صور أخرى، ولا عليهم؛ فهي لن تكلفهم جهدًا ينكصون عنه، إن الجهد الذي يتطلّب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور، والعودة إلى جوهر الدين ذاته، فبدلاً من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم نفسه، وإصلاح شأنه، حتى يكون قريبًا من سنن محمد صلى الله عليه وسلم في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه، وعلمه وعمله، وعاداته وعباداته.. إنّ المسلم الذي لا يعيش الرسول صلى الله عليه وسلم في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره لا يغني عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة".

-------

* رئيس مركز بناء للبحوث والدراسات- مصر.