أثارت الهجمة البربرية والمنظمة والمهدفة للهجوم على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حفظية وغضب المسلمين في كل أنحاء العالم وهبتهم لنصرة نبيهم كل حسب فهمه ووسائله المتاحة، وشملت الحملة الممنهجة والمشبوهة إنتاج فيلم مسيء في أمريكا ونشر بعض الصور المسيئة في إحدى الصحف في فرنسا.

 

فلا يمكن أبدًا اعتبار إهانة المقدسات الدينية لديانة سماوية يعتنقها المليارات في العالم وهي الديانة الرسمية للكثير من الدول، لا يمكن اعتبار ذلك نوعًا من الحرية والإبداع وحق التعبير، فهذه خسة وحقارة وابتذال للحقوق ونشر للفتن والاضطرابات في العالم كله، فهل توقف الإبداع وحرية التعبير عند المقدسات الدينية وإثارة الشعوب في مختلف أنحاء العالم؟ أم أن وراء ذلك أهدافًا خفية لجهات مشبوهة؟

 

لقد أمرنا الإسلام باحترام الأديان السماوية وجميع الأنبياء والرسل، وهو ما يعرفه هؤلاء السفهاء ويدركونه تمامًا من أن المسلمين لن يتعرضوا لأي من مقدساتهم بأي صورة من الصور انطلاقًا من مبادئ ديننا الحنيف الذي جاء به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

 

إن من يقومون بمثل تلك الأعمال المقززة إما يجهلون قيمة وقدر ومكانة الإسلام ورسوله الكريم أو أنهم مأجورون لإثارة الاضطرابات في العالم كله وفي منطقتنا على وجه الخصوص، لتوتير العلاقات بين أبناء تلك المنطقة.

 

ولا يمكن لعاقل أن ينكر أن تلك الأفعال المشينة كان من ضمن أهدافها تشتيت الانتباه عن الجرائم التي تتم سواء في سوريا وفلسطين ولتعطيل حركة البناء والتنمية والنهضة التي بدأت تنطلق في منطقتنا وبخاصة دول الربيع العربي.

 

إن هناك محاولات مستمرة لاستفزاز المسلمين ومحاولة إظهارهم بمظهر الإرهابيين وغير المتحضرين، وللأسف هناك بعض المندفعين من بني جلدتنا من يعطيهم تلك الفرصة بتصرفات غير مبررة وغير مسئولة حين يعتدون على ممتلكاتهم وشعبهم ووطنهم للتعبير عن غضبهم من تلك التصرفات التي حدثت في أمريكا وفرنسا.

 

إن هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ولن تكون الأخيرة ولا بد لنا من التعامل مع الحدث بحكمة وروية وتعقل لدراسة الأسباب والوصول لأفضل النتائج وإحسان توظيف الحدث للخروج منه بأقل الخسائر وأكبر قدر ممكن من المكاسب.

 

إن من أهم الأسباب الحقيقية لما حدث هو جهلنا وتذيلنا للأمم، وعدم إجادة عرضنا لديننا ولنبينا الكريم ورسالته، والدور الهادم لبعض القوى التبشيرية والصهيونية التي تحاول العبث بأمن واستقرار المنطقة، ولا يمكن إغفال أحقاد البعض من التقدم الإسلامي في دول المنطقة.

 

ولكنه لا ينبغي لنا الاستغراق في التحليلات والاندفاع خلف ردة الفعل العاطفية التي قد تضر ولا تنفع ولكن ينبغي لنا حسن التعامل مع الحدث وتوظيفه التوظيف الأمثل وفقًا لتعاليم ونهج الإسلام.

 

إن لنا جميعًا أدوار مطلوبة لنصرة الإسلام والمصطفى الحبيب سواءً على المستوى الشخصي أو الشعبي أو الرسمي، فشخصيًّا يتوجب علينا حسن التأسي برسول الله واتباع سنته وهديه واقعًا عمليًّا والاقتداء به في كل خطوات حياتنا، لنكون الصورة المضيئة لهديه وسيرته وسنته صلى الله عليه وسلم، وكذلك حسن التعبير عن الرفض الشعبي لهذه الأفعال المسيئة بالطرق السلمية والمستمدة من نهج وسلوك وسيرة الحبيب المصطفى، وكذلك المشاركة الفاعلة في الحملات الرافضة سواء كانت جماهيرية أو إلكترونية أو مقاطعة منتجات لتوصيل رفضنا وغضبنا العارم لمثل هذه التصرفات.

 

كما علينا الانضباط في رد الفعل حتى لا نعطي الفرصة لمتصيد أو متحامل أو مأجور؛ لتشويه صورة إسلامنا الجميل ولا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.

 

ورسميًّا يجب على كل الحكومات العربية والإسلامية والمحبة للسلام أن تضغط على الحكومات المعنية "أمريكا أو فرنسا" لسحب الفيلم وتقديم المنتجين للمحاكمة ومحاسبة الصحف وكل وسائل الإعلام التي تنتهج مثل هذه التصرفات التي تسيء للعلاقات بين الدول وليس الشعوب وحسب، واتخاذ كل الإجراءات القانونية ضد المسيئين للدين الإسلامي أو لمقام المصطفى الأمين.

 

كما أنه على هذه الحكومات العمل الجاد والحثيث لتكوين قوى ضغط دولية لإصدار قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن لتجريم إزدراء الأديان السماوية والأنبياء والمرسلين ولإصدار تشريع دولي لمنع وتجريم ازدراء الأديان، وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب والرفض التي تصدرها الأمم المتحدة؛ حيث إن النصوص الحالية في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، غير كافية لاحترام الديانات وحرية الاعتقاد.

 

كما أن على الشعوب والحكومات زيادة وسائل التعريف بالاسلام ورسوله ومبادئه وقيمه وتوصيلها لأكبر عدد ممكن حول العالم لبيان عظمة الدين الإسلامي ورسوله ورسالته، وضرورة إنتاج مواد إعلامية ودعائية عالمية بأحدث الوسائل لبيان ذلك بصورة متطورة وحديثة، ولا ننسى أبدًا التأثير الطيب لأفلام مثل الرسالة وعمر المختار وغيرهما في تحسين الصورة الذهنية عنا في الغرب.

 

كما أن للدور الوطني الكريم الذي قامت به بعض القيادات الكنسية والمسيحية في مصر برفض هذه التصرفات وتجريمها وتأثيم فاعليها أثرًا كبيرًا في تبيان الحالة الحقيقية التي تحياها مصر من ألفة ومودة ومشاركة بين المسلمين والمسيحيين في مصر عبر العصور مهما حاول البعض النيل من هذه العلاقة أو التأثير عليها.

 

إن هذه الحملة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة وما يتعرض له المصطفى تعرض له الرسل والأنبياء من قبل فرفع الله بها ذكرهم وأحط شأن وقدر من قام بهذه الأعمال المشينة (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ) ، ولقد ذكر القرآن في أكثر من موقع حفظه ورعايته للهادي الأمين " إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" ، وفي قوله " وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"، وفي قوله "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ" ، فالخوف ليس على الإسلام ولا على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، ولكن الخوف الحقيقي علينا نحن أن نكون قد قصرنا في دورنا في نشر الإسلام وبيان محاسنه للناس أو لم نحسن الدفاع عنه وعن رسوله بما سخره الله لنا من أدوات ووسائل عصرية نعذر بها إلى الله أننا قد أفرغنا وسعنا وبذلنا طاقتنا في الذود عن دينه ورسوله.

 

إن النصرة الحقيقية للرسول بنصرته في ذات نفوسنا وواقع حياتنا،  فليقم كل منا بدوره المنوط به ولنتسابق في شرح مبادئ وقيم الإسلام التي علمنا إياها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للعالم كله وبكل الوسائل الحديثة المتاحة لنا لننال رضى ربنا وتفتح لنا أبواب الخير في الدنيا والآخرة.