شهدت الساحة السياسية المصرية في الفترة الأخيرة تكوين بعض التحالفات والاندماجات بين بعض الأحزاب والقوى السياسية، كما تزامن ذلك مع الإعلان عن تكوين عدة أحزاب جديدة تضم أطيافًا من التيارات السياسية وبعض الشخصيات العامة.
ولا شك أن هذين المستجدين على الساحة يعدان إضافة نوعية للحياة السياسية في مصر، ولهذا بادر حزب الحرية والعدالة إلى الترحيب بهذه التحالفات والأحزاب السياسية الجديدة متمنيًا لهم التوفيق في أداء رسالتهم، وإني أرجو أن تكون إضافة قوية للعمل السياسي والحزبي في مصر، وأن تكون أهدافها من أجل تعاون مكونات المجتمع المصري وهو يخطو إلى بناء مصر الحديثة مصر الدستور والمؤسسات.
هذه التحالفات الجديدة تطور طبيعي للعمل الحزبي والممارسات السياسية للوصول إلى كيانات فاعلة قوية لها قدرة تأثيرية في الشارع السياسي المصري، وتتحقق من الانتشار الإيجابي في ربوع البلاد وتتلاحم مع أطياف الشعب المصري، فحتى الآن لدينا قرابة 70 حزبًا قائمًا أو تحت التأسيس، ومثلهم أو أكثر، قوى سياسية لم تنتظم بعد في كيانات حزبية، ولا شك أن المنافسة السياسية في المرحلة القادمة تتطلب أن تقوى هذه الأحزاب حتى تنهض بدورها وتتمكن من الوصول إلى قطاعات الشعب وتتلاحم معه وتشتبك مع مشكلاته وتتعاطى مع احتياجاته وتتجاوب مع تطلعاته حتى تنال ثقته الغالية، وهذا أمر صعب المنال، لا يتوافر لكثير من هذه الأحزاب خاصة الجديدة منها، فكان من الطبيعي أن تتجه هذه الأحزاب إلى صوغ تكتلات حزبية أكبر وأقوى وأقدر، ربما تتيح لها فرصة المنافسة الجادة للوصول إلى سُدة الحكم والمشاركة في إدارة الشئون العامة للبلاد.
هذا الأمر كان واضحًا جليًّا في نتائج انتخابات مجلسي الشعب والشورى، إذ عجزت كثير من الأحزاب - أكثر من عشرين حزبًا سياسيًّا- أن تحصل على مقعد في البرلمان بغرفتيه رُغم مشاركتها في المنافسة الانتخابية، وأغلب الأحزاب الجديدة التي نجحت أن يكون لها نواب في البرلمان إنما تحقق لها ذلك من خلال الدخول في تحالفات أكبر مع أحزاب وقوى سياسية تمكنت معًا من المنافسة والفوز بالتمثيل النيابي في البرلمان.
على الساحة السياسية تبرز اليوم عدة تحالفات حزبية، بعضها يغلب عليه التقارب الفكري بين مكوناتها، والبعض الآخر يتحالفون بُغية أن تكون لهم قوة وسعة انتشار في القطر المصري حتى يتمكنوا من مواجهة التيار الإسلامي بفصائله وأحزابه، هذه التحالفات يحدوها أمل في الفوز بالأغلبية البرلمانية حتى يصير من حقهم تشكيل الحكومة وإدارة البلاد.
أتوقع أننا مقبلون على مرحلة مهمة من تاريخ الحياة السياسية في مصر، مرحلة ستشهد غياب كثير من الأحزاب السياسية من الساحة، إما بسبب حالات الاندماج والتحالفات التي أعلن عنها، وإما بسبب ضعف بعض الأحزاب وهزالتها وعدم قدرتها على الصمود في المعترك السياسي في المرحلة القادمة، وخلال مدى زمني قصير قد يتقلص عدد الأحزاب إلى الربع ونكون أمام عشرة أو خمسة عشر حزبًا لها القدرة على البقاء في الحياة السياسية، وهذا أمر منطقي يتسق مع التجارب العالمية الدولية، إذ يعقب قيام الثورات أو حالات التحرر والانفتاح السياسي أن تتكون أحزاب كثيرة، معظمها تكون ضعيفة ولا تمتلك مؤهلات البقاء في الحياة السياسية الفاعلة، وتعجز عن المنافسة والوصول إلى الحكم، وعقب خوض عدة استحقاقات نيابية تتقلص هذه الأحزاب وتندمج في كيانات أكبر وأقوى، هذا ما حدث في دول كثيرة، ومرشح للتكرار في مصرنا في المرحلة القادمة.
وأود تأكيد أن وجود تحالفات وكيانات سياسية قوية ولها تأثير في حياة المواطنين شيء رائع ومفيد للحياة السياسية والحزبية، ويسمح بتحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة، ووجود حياة حزبية حقيقية، يثرى المناخ السياسي في البلاد، ويعطي الشعب فرصة الاختيار بين عدة برامج ومشروعات تسعى كلها لخدمة الوطن وتحقيق تطلعات المواطنين.
وتبقى كلمة الفصل والحسم والحكم على مدى نجاح هذه التحالفات والكيانات السياسية الجديدة مرهونة بقدرتها على التواصل الفعَّال المثمر مع الشارع المصري بكل مكوناته الفئوية والعمرية والجغرافية والاجتماعية، كنتُ أعتب من قبل على بعض القوى السياسية التي حصرت نفسها في بلاتوهات التصوير وحوارات الفضائيات وهي تحسب أن تمددها الإعلامي وانبساطها الصحافي كافٍ أن يوجد لها مساحات حقيقية من التأييد الشعبي يدفع الملايين من أبناء مصر إلى الالتفاف حول رموزها ويدفع بهم إلى سُدة الحكم، وعقب كل استحقاق نيابي تخرج هذه القوى خالية الوفاض ولا تجنى إلا قبض الريح، وترفض الإقرار بفشلها في التواصل مع الشعب المصري، وتندفع في اتهامات الإسلاميين الذين حققوا نجاحات كبيرة وتصفهم بأنهم يلعبون على أوتار معاناة الناس، خاصة أبناء المناطق الشعبية، وهي حجة بالية مللناها جميعا، ولعلهم أدركوا- ويا ليتهم يدركون- أن الطريق مفتوح على مصراعيه لكسب ثقة الشعب المصري، وأن المنافسة الجادة هي عنوان المرحلة، والفرص متاحة للجميع، فهل يدرك الجميع ذلك ؟ أتمنى.
وختامًا ... ستبقى الكلمة الخاتمة الحاسمة للشعب فهو سيد القرار وصاحب السلطة ومصدرها وهو صاحب الحق الأصيل، وهو متحصنٌ اليوم بخبرات عالية تجعله قادرًا على منح ثقته لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء، هذا شعبٌ وقف في طوابير الاقتراع سبع مرات خلال عام مضى واكتسب خبرات سياسية بعد شدة معاناته، نحن نثق في وعى شعبنا وحسن تقديره وصواب اختياره، وننحني احترامًا لقراراته، وإجلالاً لاختياراته.
----------
* النائب السابق أسـامـة جادو المحامي بالنقض والدستورية العليا