وسط عالم غُيبت عنه معالم الإنسانية والوفاء والبر، ظهر في عالمنا مصطلح جديد بدأ يضرب بأطنابه في تربة مجتمعاتنا الإسلامية والعربية، إنه مصطلح (دور المسنين)، أو كما يطلق عليها البعض (دور العجزة)، فأي عجزة يقصد هؤلاء، أيقصدون هؤلاء الكبار في السن الذين ضحوا بحياتهم وأوقاتهم من أجل مجتمعاتهم، وبذلوا كل غالٍ ونفيس لكي يخرجوا أبناء يبنون تلك المجتمعات؟.

 

نحن العجزة وليسوا هم، فقد عجزنا عن الوفاء لهم بما هو مطلوب منا كمجتمع أولاً قبل أن يطلب من أبناء هؤلاء المسنين، عجزنا عن توفير حياة كريمة لهم وسط جو أسري دافئ، عجزنا عن توفير الراحة لهم بعد طول عناء ومشقة وكبد وسط عواصف الحياة وتقلباتها، عجزنا نحن لا هم عن توفير الحد الأدنى من الوفاء والعطاء بعد كل هذا العطاء الذي كلل حياة هؤلاء المسنين.

 

أخذنا من الغرب أسوء ما فيه، أخذنا منه الجحود والنكران وعقوق الوالدين، وبنينا بكل هذا دورًا، بل سجونًا للمسنين، يجتمعون فيها كل يوم وليلة، بل في كل ساعة وثانية يتجرعون فيها آلام فراق الأهل والأحباب، يتذكرون فيها ماضيهم القوي يستندون به على ضعفهم وخوارهم.

 

نعم هي سجون حُبست فيها أحلامهم وآمالهم في ختام كريم لحياة حافلة بالانجازات والنجاحات، فأغلب الإحصائيات والدراسات التي أجريت على المسنين في الغرب نفسه أكدت أن ما تعانيه أجساد هؤلاء المسنين ليست معاناة صحية ولكن معاناة نفسية، فالاكتئاب صديقهم الصدوق في تلك السجون، والوحدة والعزلة رديفان اثنان لهما حتى الممات.

 

 أين بر الوالدين، هل تناسيناه وسط أتون الحياة رغم أنه منجاة؟! وأين بر المجتمع لرجاله ونسائه الذين صاغوا نجاحه وتقدمه ونهضته؟! هل يكون بهذا رد الجميل؟!

 

يدعي البعض قائلاً إن هناك ظروفًا قد تجعل تلك الدور هي الحل الوحيد للتعامل مع المسنين، فهناك مسنون مرضى ويحتاجون لرعاية صحية والأبناء مشغولون!! والرد على هذا قوله تعالى: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا] الإسراء: آية 23.

 

إن انتشار ظاهرة دار المسنين في مجتمعاتنا تعتبر كارثة بمعنى الكلمة، وعلينا أن ندق ناقوس الخطر لهذه القضية، فوجود دور مسنين في مجتمعاتنا إهانة للمسنين أنفسهم، بل إهانة أكثر للابن أو الابنة اللذين يلجآن لذلك، وبداية إعلان لانهيار المجتمع بعد فشله في احتواء أولئك الكبار بعد مجهوداتهم طوال السنين، ودليل ملموس على انهيار قيم الأسرة والترابط في مجتمعاتنا وهذا ما نرفضه جميعًا.