ثار العديد من التساؤلات في هذه الأيام حول مشروعية التعامل مع غير المسلمين في نفس الدولة أوفي دول أخرى وحكم المعاملات والعقود الدولية, فمن الناس من يرى: أولوية المعاملات تكون مع المسلمين ومنهم من يرى حرية المعـاملات بصورة مطلقة مع غير المسلمين بدون أي تمييز أو قيود, ومنهم من يـرى لا يجوز التعامل مع غير المسلمين المحاربين الأعداء للدين وللوطن, ولقـد تضمنت الشريعة الإسلامية الضوابط الشريعة لتعامل المسلم علـى ثلاث صور أساسية هي: تعامل المسلم مع المسلم وتعامل المسلم مع غير المسلم المسالم تعامل المسلم مع غير المسلم العدو المحارب.
وسوف نعرض هذه الضوابط بشيء من الإيجاز في ضوء قواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية وفي ضوء المعاهدات والاتفاقيات الدولية والأعراف مع الإسقاط على الواقع.
- الضوابط الشرعية لتعامل المسلم مع المسلم:
يرى فريق من الفقهاء أن المسلم له الأولوية الكاملة للتعامل مع أخيه المسلم إذا توفر لديه كل ما يطلبه من سلع وخدمات، فهو الأولى بالولاء والرعاية والاهتمام والتعامل والنصر.. ودليل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة: 55) وقوله عز وجل :(وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ) (المائدة: 56).
والدليل من السنة النبوية المطهرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا (البخاري ومسلم)، وقول صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ههنا [ويشير إلى صدره ثلاث مرات] بحسب أمري من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه (رواه مسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
وينطبق ما سبق مع غير المسلم المواطن وفقًا للقاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا "فهم شركاء في الوطن عليهم واجبات ومسؤوليات يجب الوفاء بها ولهم حقوقًا مثل المسلمين سواء بسواء.
ولقد خلص الفقهاء من الأدلة السابقة إلى إعطاء الأولوية للمسلم وللمواطن في مجال المعاملات الاقتصادية والمالية محليًّا وعالميًّا؛ وذلك لشد أزرهم ونصرتهم ولاسيما في ظل الحرب الاقتصادية الطاحنة بين أهل الحق وأهل الباطل, ولا تحرم الشريعة الإسلامية التعامل مع غير المسلم المواطن، بل تجيز ذلك ولقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين, فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي فلا يوجد في الإسلام عنصرية, فلقد ورد في الأثر: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" على النحو الذي سوف نبينه في البنود التالية.
- الضوابط الشرعية لتعامل المسلم مع غير المسلم المسالم:
يعيش المسلمون مع غير المسلمين في مجتمع واحد ويطلق عليهم المواطنون سواء كان المسلمون أقلية أو أكثرية، ولم تحرم الشريعة الإسلامية التعامل مع غير المسلم في ظل دار السلام ولهذا أدلته من القرآن والسنة والفقه، فمن الكتاب قول الله سبحانه وتعالى:(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة : 8-9)، فتشير هذه الآية الكريمة أنه لا حرج من التعامل مع غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم، والدليل من السنة النبوية الشريفة، أنه قد ثبت في الصحاح، ما رواه أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رهن درعًا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرًا لأهله (البخاري)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أن رسول الله توفي ودرعه مرهونة عند يهودي (متفق عليه).
ويقول علماء التاريخ أنه ثبت أن المسلمين قد تعاملوا مع غير المسلمين المسالمين محليًّا وعالميًّا لما في ذلك من منافع متبادلة معتبرة شرعًا.
ومن أهم الضوابط الشرعية التي تنظم التعامل مع غير المسلمين المسالمين ما يلي:
• أن يكون التعامل في مجال الحلال والطيبات ولا يجوز للمسلم التعامل معهم في الحرام الخبيث ومعيار الحلال الطيب هو ما يحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية وهي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال.
• الالتزام بالقيم الأخلاقية ومنها: العدل، والوفاء بالعهود والعقود، والأمانة والصدق، والتسامح، والتيسير، والإحسان, والمصداقية والشفافية وغير ذلك من القيم الأخلاقية.
• الالتزام بفقه الأولويات الإسلامية، الضروريـات فالحاجيات ثم التحسينات وتجنب الإسـراف والتبذير والترف والبذخ والمظهرية.
• عدم الاعتداء على أموال غير المسلمين، فأموالهم وأعراضهم ودماءهم مصونة بحقها.
• عدم الإضرار بالمسلمين وإضعافهم، فلا ضرار ولا ضرار.
• عدم موالاة وتقوية الدول المعادية للمسلمين.
• المعاملة بالمثل في إطار العدل والمشروعية.
وفي إطار هذه الضوابط يكون تعامل المسلم مع غير المسلم المسالم مثل تعامل المسلم مع المسلم بدون تمييز أو عنصرية، وتطبق القاعدة: "لهم مالنا وعليهم ما علينا" بشرط المعاملة بالمثل, وهذا كله في ضوء سوق خالية من الغش والجهالة والتدليس والقمار والربا... وكل صور أكل أموال الناس بالباطل, ولقد انتشر الإسلام في دول شرق آسيا من خلال التجار المسلمين الذين كانوا يلتزمون بهذه الضوابط.
وفي ضوء الواقع المعاصر ليس هناك من حرج من تعامل الدول الإسلامية مع دول العالم أو الدخول في معاهدات أو اتفاقيات اقتصادية وفقًا للضوابط الشرعية السابق ذكرها.
- الضوابط الشرعية لتعامل المسلم مع غير المسلم المحارب:
للمسلمين أعداء ومعتدون وظلمة كثيرون منهم غير المسلم، ولقد حرمت الشريعة الإسلامية التعامل مع هؤلاء الأعداء المعتدين، ولا يجوز موالاتهم أو تأييدهم مهما كان الدافع والحافز والمصلحة، ومن يظن غير ذلك فهو خاطئ، ولهذا الحكم أدلته من القرآن والسنة، فمن القرآن يقول الله عز وجل: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَو أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِين) (المائدة: 52)، ولقد نهانا الله عز وجل من التعامل مع الكافرين المشركين، فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 28)، ولقد ورد بالسنة النبوية العديد من الأحاديث التي تحرم التعامل مع العدو المحارب أو نصرته أو تأييده على ظلم المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام (أحمد والطبراني)، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاطعة المسلم فقال: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث (متفق عليه).
ولقد أجمع الفقهاء على أن بيع السلاح لأهل الحرب حرام، فقال النووي: "وما بيع السلاح لأهل الحرب فحرام بالإجماع"، وهذا الحكم يجري في كل ما يعين العدو على قتالنا وسلبنا ديارنا وأموالنا وليست الأسلحة هي التي يقاتلنا بها العد وهي المدفع والطائرة والصاروخ والقنبلة فقط، فقد يقاتلنا بالطعام والشراب والتكنولوجيا والمياه وغيرها لتضييق الخناق على المسلمين، بل ويحتكرون السلع الرئيسية والضرورية للمجتمع لإلحاق الضرر والفاقة بالمسلمين.وخلاصة الحكم الشرعي: أن الشريعة الإسلامية تحرم التعامل مع غير المسلمين الأعداء المحاربين ومن يوالونهم، إلا عند الضرورة القصوى، ولهذا ضوابط وأحكام شرعية واردة تفصيلاً على كتب أصول الفقه والسياسة الشرعية.
- سلم الأولويات في المعاملات مع غير المسلمين:
لقد وضع الفقهاء سلم الأولويات الإسلامية في المعاملات الاقتصادية وهي تنطبق على المسلم وعلى غير المسلم المسالم وهي الضروريات فالحاجيات فالتحسينات، وفيما يلي مدلول ومفهوم كل منهم.
- يقصد بالضروريات: الأشياء والخدمات والتي بدونها يهلك الإنسان، واللازمة لحفظ النفس والدين والعقل والعرض والمال، وينطبق عليها فقه الضرورة، ولقد أباح الإسلام بعض المحظورات في حالة الضرورة، ودليل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام:145)، والدليل من السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (متفق عليه)، ولا توجد قيود عند الاضطرار في التعامل مع الغير في الأشياء والخدمات المرتبطة بالضروريات.
- ويقصد بالحاجيات: الأشياء والخدمات وما في حكم ذلك والتي يحتاج إليها الناس لتكون الحياة أقل مشقة، أي لتسهيل الحاجات الأصلية، وأحيانًا تنزل الحاجة منزلة الضرورة، ولا يجوز توفير الحاجيات قبل استيفاء الضروريات قياسًا على أنه لا يجوز أداء المندوب قبل أداء الواجب، ويكون التعامل في مجال الحاجيات مع المسلمين ومع غير المسلمين المسالمين عند الضرورة.
- ويقصد بالتحسينات: الأشياء والخدمات وما في حكم ذلك والتي تجعل الحياة أكثر يسرًا ورفاهية وبحبوحة، وتكون التحسينات بعد الوفاء بالضروريات والحاجيات، ولا يجوز أن تقترن التحسينات بالإسراف والتبذير والمظهرية والخيلاء لأن هذا محرم في الإسلام، ويكون التعامل في مجال التحسينات مع المسلمين ويلي ذلك مع غير المسلمين المسالمين.
وليس هناك خطوط أو حدود دقيقة تفصل بين الضروريات والحاجيات والتحسينات، لأنها تتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص والمجتمعات، فما يعتبر ضروري لفرد ما في مجتمع ما قد يكون من التحسيني لفرد أخر في مجتمع آخر في زمان آخر.. ، وكل إنسان أعلم بضرورياته وحاجياته وتحسيناته في ضوء المفاهيم السابق بيانها، وهذا الفقه صالح للتطبيق في كل حياة الإنسان في عبادته ومعاملاته.
في ضوء فقه الأولويات الإسلامية وفي ضوء فقه التعامل مع غير المسلمين على النحو السابق بيانها، يمكن أن نرتب سلم أولويات التعامل مع الأفراد والمجتمعات والدول على النحو التالي:
- المرتبة الأولى: تكون أولية التعامل مع المواطنين المسلم منهم وغير المسلم لأن هذا يحقق صلة الأخوة في الله والمواطنة، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر) (التوبة:71)، وقوله عز وجل: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال:73)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (مسلم).
كما أنه ليس هناك مانع شرعي من التعامل مع غير المسلمين من أهل الوطن، ، فهم شركاء في هذا الوطن، والتعامل معهم يحقق العديد من المقاصد الطيبة منها: بيان سماحة الإسلام وعدم التعصب والمحافظة على وحدة الوطن "فلهم مالنا وعليهم ما علينا" ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256)، قوله عز وجل: )لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ( (الممتحنة: 8).
- المرتبة الثانية: التعامل مع غير المسلمين من غير أهل الوطن المسالمين؛ وذلك في حالة الضرورة والحاجة، فليس هناك من مانع شرعي للتعامل معهم، ولاسيما عندما لا يجد المسلم ضرورياته وحاجياته عند المواطنين، ودليل ذلك ما سبق الإشارة إليه في الفقرة السابقة، ولقد انتشر الإسلام في بداية عهده في كثير من بلدان العالم عن طريق التجار المسلمين الذين كانوا يسافرون للتجارة في إفريقيا وفي دول شرق آسيا ويتعاملون مع غير المسلمين المسالمين.
- المرتبة الثالثة: لا يكون التعامل مع غير المسلمين الأعداء المحاربين إلا عند الضرورة القصوى ويكون في هذا التعامل نفع للمسلمين، وإخراجهم من الهلكة أو المشقة التي تنزل درجة الضرورة، كما هو الحال في شراء الدواء وإجراء العمليات الجراحية واستيراد التكنولوجيا أو نحو ذلك.
وخلاصة القول: لقد استنبط فقهاء المسلمين من فقه الأولويات وفقه التعامل مع غير المسلمين مجموعة من الضوابط الشرعية التي توضح مراتب التعامل، في كل الأحوال يجب الالتزام بالأحكام والمبادئ الشرعية للمعاملات، والضرورة تقاس بقدرها، ولا توجد ضرورة في الكماليات والترفه والتنزه والتيسير، ولكن الضرورة هي التي تؤدي إلى الهلاك والمشقة وأن تكون قد سدت أبواب الحلال، وأن تكون قائمة فعلاً وليست متوقعة ولا تعدي ولا توسع في الضرورة.
- وجوب أولوية التعامل مع السلع الوطنية:
سبق أوضحنا أن المواطن المسلم وغير المسلم يواجه في وطنه سلعًا أجنبية ذات جودة عالية وسعرًا منخفضًا فيقبل المواطنون عليها ويتركون السلع الوطنية، ويبرون هذا السلوك بحجج واهية، متجاهلين الولاء الوطني، وهذا السلوك غير سليم لأنه يؤدي إلى أضرار شتى بالوطن منها على سبيل المثال:
- دعم المنتجات الأجنبية بدون ضرورة معتبرة شرعًا.
- إضعاف القوة التنافسية للمنتجات الوطنية.
- عدم دعم المنتجات الوطنية لتطور وتجود وتحسن بسبب عدم الإقبال عليها.
- دعم اقتصاديات الدول الأجنبية، وإضعاف الاقتصاد الوطني.
- إضعاف الخبرة الوطنية وعدم تنميتها.
وتأسيسًا على ما سبق نستنبط أنه لا يجوز التعامل مع السلع والخدمات الأجنبية وترك السلع الوطنية البديلة إلا إذا دعت الضرورة والحاجة إلى ذلك، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
- الاستعانة بخبير أجنبي في مجال معين ولا يوجد في الوطن مثله، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما استأجر عبد الله بن أريقط في الهجرة.
- لا يوجد بديل للسلعة أو التكنولوجيا الأجنبية من الإنتاج الوطني ومتى وجد البديل الوطني فلا حاجة للتعامل مع المنتجات الأجنبية.
- واقع التعامل مع غير المسلمين بين الواجب والواقع:
لقد أوضحنا في السابق فقه أولوية التعامل في ضوء ما خلص إليه جمهور الفقهاء، ولكن الواقع الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية يخالف الواجب، وهذا يحتاج إلى مراجعة النفس وكبح هواها والذي أصبحت تُؤْثِرْ القيم المادية على القيم المعنوية، والمصلحة الفردية الشخصية على المصلحة الوطنية والإسلامية.
نجد في الأسواق العربية متناقضات وتحديات منها إقبال المواطنين على السلع الأجنبية بدون هوادة، أصبح أولوية التعامل مع غير المواطنين هي الواقع، وفي أحدث إحصائية تبين أن نسبة المعاملات البينية بين الدول العربية والإسلامية والعربية لا تزيد عن 9%، حتى أصبحت مستلزمات العبادات تنتج بواسطة غير المسلمين.
وهذا الواقع يحتاج إلى تقويم في ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية حتى تحقق النصرة والعزة للمسلمين.. وهكذا يفرض علينا الجهاد والتضحية من أجل إنشاء السوق العربية والإسلامية المشتركة.
- موجبات السوق العربية الإسلامية المشتركة:
لقد اهتم الإسلام بسوق المسلمين ووضع الضوابط اللازمة لها، لأنها أساس المعاملات الصحيحة وعصب الحياة وشريانها النابض.. إن قيام السوق الإسلامية المشتركة عاملاً رئيسيًّا في تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة، وهذا ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة؛ حيث بني للمسلمين سوقًا. وتأتي حتمية إنشاء السوق الإسلامية المشتركة من الموجبات الشرعية.
إن هذا العصر هو عصر التكتلات، والدول العربية والإسلامية أحرى ما تكون إلى التكتل والوحدة خاصة في مجال الاقتصاد، لتقف أمام الدول والأحلاف الأخرى موقف الند للند للدفاع عن مصالحها وتحقيق الرفاهية والرخاء والكرامة لشعوبها.. إن الوضع الدولي المعاصر يفرض على الدولة الإسلامية أن تتعاون فيما بينها لتحافظ على مصالحها لأن الانعزالية أصبحت خطرًا محققًا على أيه دولة من الدول مهما أوتيت من القوة ومن الإمكانات الطبيعية والبشرية، بغرض تعزيز التعاون الوثيق ومساعدة مشتركة في المجالات الاقتصادية والتقنية العلمية والثقافية والروحية المنبثقة من تعاليم الإسلام الخالد لمصلحة المسلمين والبشرية جمعاء وتعتبر السوق الإسلامية المشتركة رمزًا لتطبيق الوحدة المنشودة بين الدول العربية والإسلامية.
- الخلاصة
يحكم المعاملات الاقتصادية مع غير المسلمين مجموعة من الضوابط الشرعية والأسس الاقتصادية الإسلامية، والتي تدور حول جواز التعامل مع غير المسلمين المسالمين، وتحريم التعامل مع غير المسلمين في دار الحرب إلاّ عند الضرورة المعتبرة شرعًا.
--------------
الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية والمشرف على موقع دار المشورة للاقتصاد الإسلامي- www.Darelmashora.com-
E.m: Darelmashora@gmail.com