باعتبار أن الانقسام السياسي قد حط برحاله على شاطئ "النخبة السياسية"، وباعتبار أن الشعب بعيد تماما عن هذا الانقسام، وبالتالى فإن إدارة عملية توافق لن تكون مستحيلة، مع ملاحظة أن "التوافق السياسى" لا يعنى "موت التنافس السياسي"، ولكنه يعني الخروج من حالة الاحتراب ومحاولات إسقاط الشرعية وإيقاف عجلة بناء المؤسسات, والانتقال بها إلى حالة تنافس أو حتى خصومة بمشروطية أن تكون مبنيةً على قواعد يحرم على أي طرفٍ أن يتجاوزها.
وهذه القواعد التي نقترحها لإدارة هذا "التوافق" تتلخص في:-
أولاً: حياد القضاء:
وذلك بمعنى خروجه كليًّا من المعركة السياسية, وعدم استخدام "أندية القضاة" للشغب على القرارات السياسية بحجج مختلفة، كما حدث أثناء "الاستفتاء"، ولا شك أن الواقع القضائي الآن أفضل حالاً لعدة أسباب، منها:-
- فشل دعوة الامتناع عن الإشراف على "الاستفتاء"، وبالتالي بروز حقيقة أن "نادي القضاة" لا "يسيطر" على القرار القضائي.
- استقرار تشكيل "المحكمة الدستورية" طبقًا للدستور الجديد, وخروج الأعضاء المسيسين مثل السيدة (تهانى الجبالي) والمستشار "حاتم بجاتو" الذين كانوا- مع آخرين- ممثلين "للعسكري"، ثم متصادمين مع مؤسسة الرئاسة لمصالح يعلمها الكافة.
- دخول أزمة "النائب العام" في إطار توافقي برعاية وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى.
- سقوط كل الإعلانات الدستورية سواء "للعسكري" أو "للرئيس"، وزال بذلك أي سبب للاحتقان بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
بهذه الأسباب تتمهد الأرض لعودة القضاة إلى المنصة, وترتيب البيت القضائي على الوضع الدستوري الجديد، والاتعاظ بما حدث بعد الثورة من شروخٍ في الثقة بين الجماهير والقضاة أدَّت إلى امتهان لقدسية القضاء، سواء بسبب أحكام البراءة للقتلة أو بسبب الانغماس في العملية السياسية، كما أن الظرف أصبح مواتيًا للخروج تمامًا من السياسة كما خرج "المجلس العسكري" ليصبح الشعب فقط هو الظهير لأي تيار سياسي إما أن يسانده أو يساند خصمه فتستقر العملية السياسية دون مكايداتٍ ولا مؤامرات مثل تلك التي حدثت من قبل.
ثانيًا: الاتفاق على قانون الانتخابات:
حيث يعتبر التوافق على هذا القانون أساسًا جديدًا للمنافسة على أرضية مقبولة، وهذا أمر ميسور لأن "الدستور" قد قطع نصف لمسافة حين نصت "المادة 231" على: (تكون الانتخابات التشريعية التالية لتاريخ العمل بالدستور بواقع ثلثي المقاعد لنظام القائمة والثلث للنظام الفردي، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح في كلٍّ منهما).
وهكذا تتضح معالم القانون الجديد, وتصبح المناقشات الباقية حول الدوائر وعدد المرشحين على كل قائمة، والإشراف القضائي وتأمين الانتخابات، وحدود الصرف على الدعاية.. إلخ.
وهي كلها مسائل التقارب فيها أكثر من التباعد، ومطلوب بالطبع من "حزب الأغلبية" أن يبدي مرونةً شديدةً ليزيل حالة احتقان المعارضة التي مُنيت بهزيمة قاسية بسبب نتيجة "الاستفتاء", والتي جاءت عكس توقعاتهم ؛ تلك التوقعات التي حسمت النتيجة لصالح (لا), فكانت النتيجة صدمة كبيرة ذكرتهم باستفتاء 19/3.
ومن هنا فإن الاقتراحات التي تعزز دخول المعارضة في البرلمان, ينبغي أن تكون محل رعاية واحتضان من "حزب الأغلبية", بحيث تنفتح أمامهم المجالات لعمل سياسي رصين, وتكون أعمالهم ومواقفهم تحت أعين الجميع, فينضبط الإيقاع السياسي.
ثالثًا: احترام الشرعية:-
أثبتت "الشرعية" نفسها؛ وذلك بإصرار "الرئيس" على المضي قدمًا في إنهاء المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة، بعد إحباط محاولات "الإفشال" ثم "الإسقاط", وخرجت "الرئاسة" قوية بعد معارك متتالية بدأت بإسقاط "الإعلان المكمل" تم إنهاء "دولة العسكر"، ثم مواجهة "استخدام القضاء في إسقاط الشرعية"، تم التعامل الحكيم مع حصار "الاتحادية" والصخب الإعلامي والسياسي الشديد في مواجهة "الرئاسة"، وكان خطاب "الرئيس" بعد "الاستفتاء" متواضعًا بعيدًا عن إظهار حالة الانتصار أو "التشفي" في الخصوم, ولكنه أصرَّ على احترام "المعارضة"، كما احترم قرار الأغلبية، وفتح باب الحوار، ويلقي هذا بالتبعة على "حزب الأغلبية" الذي ينبغى عليه أن يخلع ثياب معركة "الشرعية والاستفتاء"، ويلبس ثياب الحوار والتوافق، وأن تتبدل لغة الخصومة إلى لغة التفاهم، خاصةً من الرموز التي اضطرها الهجوم الشرس إلى الردود الشديدة, ونُدرك أن الأمر صعب بعد كل الجراحات التي ألمَّت "بحزب الأغلبية" بسبب ما اعتبره- وبحق- "افتراءات المعارضة", ولكن المسئولية تحتم عليهم أن يمنعوا أنفسهم من الاستمرار في أجواء المعركة، وتدفعهم إلى أن يتناسوا تمامًا "انتصار الاستفتاء"، وأن يعملوا على لم الشمل مااستطاعوا؛ مثلما دعا د."الكتاتني" لمبادرة (لم الشمل).
ومن جهةٍ أخرى يجب تأكيد أن "احترام الشرعية" لصيق باحترام "مؤسسات الوطن" وعدم هدمها أو النيل منها, واعتبار ذلك جريمةً مهما كان فاعلها، وسيكون "يوم 25/يناير" القادم اختبارًا جديدًا "للقوى السياسية" و"الرئاسة" معًا؛ أما "للقوى السياسية" فلأنه سيظهر هل ستتمادي في استغلال "مفردات الثورة" لتصطدم بمؤسسات الدولة، أم ستكبح جماحها وتعتبره يومًا للمراجعة والإصرار على تنفيذ مبادئ الثورة عبر مؤسسات الدولة وليس عبر هدمها؟.
وأما أنه اختبار "للرئاسة"، ففي كيفية إحداث التوازن بين تحمل معارضة المعارضين، وفي نفس الوقت حماية "الشرعية" وتنفيذ القانون بغير خشية ولا وجل؟
رابعًا: مواجهة الاستقطاب:-
حيث يبدو في الأفق توجه شديد (لقواعد) التيار الإسلامي بضرورة التوحد في مواجهة التيار العلماني, بل وفي مواجهة "الكنيسة", كرد فعل على التوحش العلماني والاحتشاد القبطي في مواجهة الإسلاميين، وإذْ يعلم الجميع موقفنا من "العلمانية المصرية" فإننا- رغم ذلك- لا نرى في هذا الاصطفاف مصلحة، لا للوطن ولا للتيار الإسلامي، كما أن تكريس "الاستقطاب" سيجعل من القوى العلمانية قوى منبوذة ويكون مآلها إلى الارتماء الكامل في أحضان النظام البائد أو الاحتماء بالأجنبي، بالإضافةِ إلى العمل الدائم على تعويق بناء المؤسسات، والأوفق أن يجدوا لأنفسهم ملاذًا في مؤسسات الدولة، وأن يندمجوا في نسيجها وأن تستخدم طاقاتهم في الأطر المؤسسية، ومن هنا ندعو إلى (التنسيق) بين الإسلاميين وليس (التوحد)، كما ندعو إلى استمرار التنسيق مع أي فصيل مستعد للتحالف مع قوائم الإسلاميين دون استدعاء مرارات الماضي القريب، فالوقت ما زال أمامنا حتى تستقر العملية الديمقراطية، ويومها ستتمايز الاتجاهات تمامًا، ولن تكون هنالك مشكلة أو استقطاب يهدد سقرار الوطن، أما الآن فالتضحية ببعض المقاعد وإن كثرت أفضل كثيرًا من توسيع حدة الاستقطاب.
وفي نفس السياق يتوجب على "حزب الأغلبية" أن يبذل قصارى جهده لتجاوز حدة الخلاف مع "الكنيسة", حتى لا يعتاد "البابا" مخاصمة كل ماهو إسلامي لاسيما أن ممارساته السياسية الأولى بعد تنصيبه, تصب كلها في نهر الشقاق؛ ولأن ترك الأمور الآن تتداعى على سجيتها سينشئ (جيتو قبطيًّا) يعمل في مظلة (مقاومة الدولة الظالمة!) وليس مظلة (حماية حقوقهم بالاندماج في إطار الشرعية).. وهذا ما يتمناه أعداؤنا.. ولا نتمناه.
------------