وساعاته، واستقبلنا عامًا آخر نسأل الله أن يكون عامًا طيبًا مثمرًا يحمل الخير لمصر والمصريين، للإسلام والمسلمين..!!
محطة إيمانية نتزود منها بين عام مضى وآخر أتى، مع أننا نحن المسلمين يجب أن نحتفي بالتاريخ الهجري، ونُؤرِّخ بالتاريخ الهجري، أما الميلادي فهو تاريخ الفرنجة يتخلله أعياد اليهود والنصارى.!!
إن الله جعل الحياة متعادلة لا تسير على نمطٍ واحد ولا تمشي على وتيرة واحدة ولكنها متقلبة، فالجو يصحو ويغيم، والصحة تقوى وتضعف، والأيام تقبل وتدبر، والنجوم تظهر وتأفل، وربك يخلق ما يشاء ويختار وكل شيء عنده بمقدار..!!
والمسلم الحق الذي يحيى بين هذه التقلبات مؤمنًا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، يعرف ربه فلا يستعن إلا به ولا يتوجه إلا إليه، لا يعبد غيره ولا يستعن بسواه، يردد دائمًا في مصلاه "إياك نعبد وإياك نستعين" فلا يتحول بتحول الأيام، ولا يتردد مع مرور الأعوام، وإنما يحيى صلب العود، رابط الجأش، قوي الإيمان، واثقًا في نصر الله.. فيحيى في هذه الأرض عبدًا حرًّا لله لا لأحدٍ سواه..!!
الإنسان من طبيعته النسيان؛ لأنه لو تذكَّر ما ألمَّ به من آلام وأحزان، وما أحاطه من مكائد وشدائد لكره العيش، وسئم الحياة.. إنما رحمه الله فجعله يتذكر القريب فإذا ضربه الزمن بأيامه ولياليه فإن الأيام تنتهي، والساعات تنقضي، والجروح تندمل، والأحزان تنمحي، ويشغل الإنسان بحاضره لكن هل ما ينساه الإنسان ينساه الملك الديان؟!! كلا ثم كلا!! فالإنسان مراقب على مدار اللحظة..!! الطباعة الإلهية تنسخ ما يفعل، وتُسجِّل ما يترك حتى يوم العرض الأكبر، لا جيوب، لا خزائن ولا حصالات (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18))) (الحاقة)!! هناك ينطق ما سجلت، ويخرج ما طبعت!! (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)) (الجاثية) عملك ينسخ في آلة إلهية لا تضل ولا تنسى، ويحفظ في مكان مأمون لا يتلف ولا يسرق، ولا يصادر، ولا يتغير بتغير المناخ من أعاصير أو رياح، كلا!! وإنما.. (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة).
كلما مرَّ عام عليك يجب أن يعلن فيك أنك تقترب من قبرك وتقترب من آخرتك وتقترب من ربك وتقترب من حسابك وتقترب من مصيرك!!
أنت بين يومٍ مشهود، ويوم موعود فقدم لليومين واعمل للدارين!! اعمل لغدك كما تعمل ليومك، واعمل لمعادك كما تعمل لمعاشك واعمل لآخرتك كما تعمل لدنياك!!
الله عز وجل يُقسم بأجزاء الوقت، يُقسم بالليل ويقسم بالنهار، يقسم بالفجر ويقسم بالعصر، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، ولا يقسم الله عز وجل بشيء إلا ليلفتنا إليه !! الوقت هو ثروتنا!! هو حياتنا!! هو وجودنا!! يجب أن نستغله ونستهدفه ونضع له الخطط لمصلحة ديننا ودنيانا، لنجعل الدنيا مزرعة للآخرة!! وإلا سنذبح بهذا الوقت، إنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك!!
العام اثنا عشر شهرًا، والشهر ثلاثون يومًا، واليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة، وفي كل دقيقة كم من نفس يتردد، وكم من قلب ينبض، وكم من عين تطرف، وكم من نعمة تغمرك من ساسك إلى راسك، ومن شعرك إلى قدمك، ماذا أنت صانع في هذا الوقت؟!! هل تشكر هذه النعمة، هل نذكر المنعم؟ هل من إيمان يوجهنا نحو الجهاد والعقيدة؟ نحو السمو والعلو؟ نحو السباق والإشراق؟ نحو الإحسان والرضوان، نحو النجاح والفلاح؟
هل نسطر مستقبلاً باهرًا لهذه الأمة، سلوكًا وأخلاقًا.. صفاءً أو نقاءً.. تلاحمًا وإخاءً.. تقديرًا واحترامًا.. تقدمًا وازدهارًا.. مجدًا وتاريخًا!!
إذا رزقت الإيمان فأنت مرزوق وإذا حرمت الإيمان فأنت محروم!! على أي لون كانت الحياة!! قويًّا أو ضعيفًا.. غنيًّا أو فقيرًا.. مريضًا أو سليمًا.. حاكمًا أو محكومًا.. الإيمان مع الحاكم حاجز أن لا يظلم، ومع القوي عاصم أن لا يستبد، ومع الغني هاد أن لا يبذر، ومع الفقير راشد أن يأكل بالمعروف ولا يسأل الناس إلحافًا!!
الوقت إذن هو الحياة، واستغلاله في الطاعة طوق النجاة..!! يجب أن نكون من الله على وجل، ومن الجنة على عجل ومن الآخرة على أحسن عمل، إذا مر يوم من حياتك فقد وقعت ورقة من شجرتك، وطويت صفحة من صفحاتك، وهوى جدار من بنيانك..!!
الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويفلان كل حديد...!! فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
انطلاقًا من العام الجديد سطر صفحاتك، دون كتابك: تعداد صفحاته يقارب ثلاثمائة وستة وستون صفحة!! كيف تبدأه؟!!، كيف تقدم له؟!! ماذا تكتب فيه؟! صلاة فجر.. قيام ليل.. قراءة قران.. بر والدين.. حسن جوار.. أمر بمعروف.. نهي عن منكر.. إحقاق حق.. إبطال باطل.. جهاد ورشاد.. طاعة وانقياد.. سطر! اكتب! اعمل.
---------