ليس مقبولاً ولا مفهومًا إقدام سلطات الأمن الإماراتية على أسر عددٍ من المواطنين المصريين أيًّا كانت انتماءاتهم السياسية لمدة تقارب الشهر أو تزيد في أماكن احتجاز مجهولة لم يستطع أحدٌ من ذويهم أو أصدقائهم أو حتى محاميهم الوصول إليها، وليس مقبولاً ولا مفهومًا أن يستمر احتجاز وأسر هؤلاء المواطنين المصريين دون أن يتم تقديمهم إلى القضاء طوال هذه الفترة، وحين بدأ ذووهم في مصر التحرك العلني في الشارع بعد فشل التحركات الديلوماسية أصدرت أجهزة الأمن الإماراتية بيانًا من الواضح حسب صياغته والاتهامات الهلامية التي تضمنها أن كاتبه أحد ضباط أمن الدولة المصريين الذين هربوا بعد الثورة واستقروا في الإمارات.
يُدهشنا هذا التحول الدراماتيكي لقادة الإمارات الذين كانوا من قبل عنوانًا للحكمة والتعقل والوسطية، كان الشيخ زايد مؤسس الدولة رحمه الله يُوصف بأنه حكيم العرب، كان يحتفظ بعلاقاتٍ طيبةٍ مع كل الأطراف أهلته ودولته للعب أدوار مهمة في الوساطات وحل الكثير من المشكلات، وكاد الفقيد أن ينجح في وقف احتلال العراق بتوفيره ملاذ آمن لصدام حسين في الإمارات، لكن عناد الأخير أهدر تلك الفرصة، كما كان الشيخ زايد على علاقة طيبة بكل الأطياف السياسية التي تعمل في بلده، خصوصًا من العرب والمصريين، لكن بعضًا من أبنائه أبوا أن يعيشوا في جلباب أبيهم، وانقلبوا على ما كان يحمله من حكمة، وراحوا يصطنعون مشكلات وهمية مع بعض الأطراف التي لا تمثل أي خطرٍ حقيقي على بلدهم، ومن ذلك انقلابهم على العلاقة التاريخية التي كانت تربط الوالد المؤسس بجماعة الإخوان المسلمين، سواء من أبناء الدولة أو من الوافدين عليها من الجنسيات العربية.
ويبدو أن هذا الانقلاب هو وليد مخاوف صدرتها بعض العناصر الأمنية التي تتلمذت على يد رجال العادلي وحسن عبد الرحمن، والذين يعتقدون أن فرض هذه المخاوف على الحكام هو الطريقة المثلى لاستمرارهم في منصبهم وترقيتهم وحصولهم على النياشين والعطايا، ناهيك عن تأثر الشيوخ الجدد (والشيخ هنا هم الحكام وليس العلماء)- وهم الذين تلقوا تعليمهم في جامعات غربية- بالثقافة الغربية المسكونة بهواجس الإرهاب.
القبض على عددٍ من المصريين في الإمارات مؤخرًا يدخل في هذه الهواجس، والتي تصاعدت بعد نجاح الثورة المصرية في تخطي العديد من العقبات الكبرى، رغم أن هذه الثورة لم ولن تتخطى حدود الدولة، وقد أعلن رئيس الدولة المنتخب الدكتور محمد مرسي في خطاباته الأولى وكرر ذلك مرارًا أن الثورة المصرية ليست للتصدير بل هي ثورة مصرية بأجندة وطنية خالصة، وأن مصر لا تقبل التدخل في شئون الدول الأخرى كما لا تقبل من الآخرين التدخل في شئونها، لكن كل هذه التطمينات لم تُقنع بعض شيوخ الإمارات فناصبوا الثورة العداء، وغذَّى هذه المشاعر بعض رجال الأمن الإماراتيين والمصريين الذين يقتاتون على هذه المخاوف، كما ساهم بقوةٍ في تغذيتها أيضًا رموز نظام مبارك الفارون من العدالة واللاجئون في الإمارات.
المعتقلون المصريون في الإمارات ومنهم الطبيب والمهندس والصحفي والمحاسب والمدرس وأستاذ الجامعة يعملون في الإمارات منذ فترات طويلة زادت عن ربع قرن، وهذا دليل على حسين السير والسلوك وعدم مخالفة قوانين الدولة المضيفة وأعرافها، ولم يسبق أن تمَّ توجيه اتهامات لأحدٍ منهم أو تقديمهم للمحاكمة بل لقد تم ترقية الكثيرين منهم ومد الخدمة لهم رغم تجاوزهم سن الستين لكفاءتهم وإخلاصهم.
جاءت حملة الاعتقالات للمصريين متزامنةً مع الاستعدادات للاستفتاء على الدستور المصري، وليس من المقبول أبدًا معاقبة مصري بسبب دعمه أو دعوته للتصويت بطريقة معينة على دستور بلاده، وقد أوضحت بعض المصادر أن سبب اعتقال هذه المجموعة يرجع لتحركاتها لحشد المصريين دعمًا للدستور، وهو ما لم يرق لبعض المسئولين الإماراتيين المتحالفين مع فلول نظام مبارك القابعين في أبوظبي والذين تفانوا في عرقلة مسيرة الثورة المصرية، وعرقلة الاستفتاء على الدستور، وخابت كل مساعيهم.
كانت العلاقات المصرية الإماراتية نموذجًا للمحبة والاحترام المتبادل، لكن تحركات بعض المناوئين للثورة المصرية تُعكِّر الآن صفو هذه العلاقات، والأمل معقود على حكماء الإمارات وهم كثيرون أن ينقذوا السفينة، ويعيدوها إلى مسارها الصحيح والبداية هي الإفراج عن هؤلاء المعتقلين فورًا، وإعلان احترام ثورة الشعب المصري، وكرامة المواطن المصري التي لم تعد مجالاً للمساومة.