o استهلال
يمر اقتصاد مصر بأزمة حادة من مظاهرها ارتفاع نسبة الفقر والبطالة وعجز الموازنة وزيادة المديونية ونقص الاحتياطى من العملات الأجنبية وانخفاض معدلات الاستثمار والتقلبات في سوق الأوراق المالية وانخفاض قيمة صرف الجنية أمام الدولار.
ويرجع أسباب هذه الأزمة إلى أمور كثيرة منها على سبيل المثال: تراكمات الفساد من عهود الحكم السابقة، وأخطاء في المرحلة الانتقالية , والانفلات الأمنى وانتشار الفوضى والبلطجة والعنف، والاعتصامات والمظاهرات , والتناحر والعداء بين التيارات السياسية وعدم استكمال مؤسسات الدولة ونحو ذلك.
وساد في مصر شائعات كاذبة ومخططة ومغرضة لتحقيق مآرب سياسية سيئة منها على سبيل المثال : أن مصر مقبلة على مرحلة افلاس اقتصادى، وظهرت بعض التيارات الأخرى لتتصدى لهذه الشائعات وتقول أن اقتصاد مصر صامد ولديه كل مقومات التعافى والخروج من الأزمة سالماً.
وما سبق أثار سؤالاً ت في غاية الأهمية منها على سبيل المثال ما يلي :
• هل اقتصاد مصر على وشك الإفلاس؟
• ما هى مظاهر وأسباب الأزمة الاقتصادية الحالية؟
• هل لدى إقتصاد مصر مقومات الصمود في ظل هذه الأزمة ؟
• ما هي الموجبات الاقتصادية للتعافى والنهضة؟
حول هذه التساؤلات وغيرها تدور محاور هذه الدراسة مع التركيز على مقومات الصمود وموجبات الخروج من الأزمة والانطلاق إلى التعافي والنهضة:
مظاهر الأزمة الاقتصادية في مصر:
من أهم مظاهر هذه الأزمة ما يلي:
• عجز الموازنة: ويعنى زيادة النفقات على الإيرادات وهذا العجز من تراكمات سنوات وشهور سابقة ومعدلات العجز الشهرى لا يقل عن 2 مليار دولار.
• نقص الاحتياطى النقدى من العملات الأجنبية حيث وصل إلى حوالى 15مليار دولار، وهو يكفى فقط الاحتياجات الضرورية لمدة شهرين، وهذا يمثل خطرا على مصر.
• زيادة القروض الداخلية والخارجية، وهذا بدوره يزيد من عبء الفوائد الربوية المركبة .
• انخفاض قيمة الجنية المصرى مقابل العملات الأجنبية وهذا بسبب زيادة الطلب عليه وانخفاض العائدات من الدولار مثل السياحة والاستثمارات.
• انخفاض حجم الاستثمارات بسبب عدم الاستقرار السياسى، وكثرة المظاهرات والاعتصامات. وما في حكم ذلك، وهروب بعضها إلى الخارج.
• ارتفاع أسعار السلع والخدمات بسبب قلة العمل والانتاج ونقص السيولة لدى الوحدات الانتاجية.
• زيادة نسبة البطالة عن السنوات السابقة وهذا يرجع إلى توقف أو تصفية بعض الوحدات الانتاجية، وانخفاض الاستثمارات الجديدة.
• التذبذبات في المعاملات البورصة بسبب عدم الاستقرار السياسى وانتشار الشائعات الكاذبة المغرضة .
• انتشار الفوضى والبلطجة والعنف في معظم أرجاء الدولة وكذلك الاشاعات المغرضة والممنهجة وهذا يؤثر على الاقتصاد .
• زيادة المظاهرات الفئوية للمطالبة بتحسين الأوضاع المالية بسبب الفقر .
• مظاهر أخرى يضيق المقام لذكرها.
تحليل موضوعي متعمق لأسباب الأزمة الاقتصادية في مصر
من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية كما سبق الاشارة في البند السابق ما يلي:
• تراكمات السنوات السابقة بسبب الفساد بكل صوره: السياسى والمالى والاقتصادى والاجتماعى والأخلاقى والأمني , ولا يجوز أن نحمل المرحلة الانتقالية كل أسباب الأزمة.
• عدم الاستقرار السياسى والتأمر والتصادم والحقد والكراهية والأنانية بين التيارات المختلفة، وضياع الثقة وانتشار ظاهرة التخوين.
• قلة العمل والانتاج ما ترتب عليه نقص العرض من السلع والاحتياجات الأساسية للمعيشة للفرد، وانشغال معظم العمال والنقابات بالمطالب الفئوية والاستجابة لبعضها .
• التخبط أحيانا في القرارات السيادية سواء على مستوى الرئاسة أو الوزارات أو ما في حكم ذلك بسبب ضغوط التيارات المعارضة.
• سوء إدارة المرحلة الانتقالية سواء في عهدحكم العسكر أو في فترة بعد انتخاب رئيس الجمهورية أحيانا بسبب عدم الاستقرار السياسي و التفرق والشرذمة بين التيارات
لسياسية وضياع الأمن وعدم الاستقرار.
• انخفاض العائدات من السياحة والاستثمارات بسبب عدم الاستقرار الأمنى الراجع إلى الفوضى والعنف والبلطجة.
• الشائعات الكاذبة المغرضة المبرمجة التى يثيرها المفلسون سياسياً وشعبياً ومن يعاونهم من الخارج وكذلك بعض أجهزة الإعلام التي تتبع بعض رجال الأعمال من العهد لسابق .
• تدخل القضاء في السياسة وإصدار أحكاما تعرقل مسيرة الديموقراطية وتؤثر على الأوضاع الاقتصادية.
هل اقتصاد مصر على وشك الافلاس؟!
الشكل العام الذى لا ينكره أحد أن هناك أزمة اقتصادية حادة، وأن الحياة شديدة الصعوبة ولا سيما عند الطبقة الفقيرة ومحدودى الدخل، ولكن مسألة الافلاس بعيدة كل البعد عن مصر، وتحليل ذلك هو ما يلى:
• التحسن في الاحتياطى النقدى نسبياً حتى ارتفع من 14مليار دولار إلى 15ملريار دولار في الشهر الأخير وهذا يعنى أنه قد بدأت مرحلة التعافى. •
أن الاحتياطى النقدى من لدولار والمتاح حالياً يغطى سداد قسط يناير 2013م ويوليو 2013م ، ولذلك فإن مصر منتظمه في سداد ديونها الخارجية.
• زيادة معدلات تحويلات المصرين بالخارج عن المعدل المتعارف عليه نسبة في حدود 40%، وهذا يؤدى إلى زيادة التدفقات من العملات الأجنبية.
• نمو في إيرادات قناة السويس بالمقارنة بالمعدلات السابقة.
• خطة المجموعة الاقتصادية في الحكومة الحالية لتنمية بعض الموارد ومنها على سبيل المثال: اصدار الصكوك الاسلامية والاقتراض من صندوق النقد الدولى بسبب الضرورة، هذا سوف يقلل من حدة الأزمة وشبح الخوف .
• دعم بعض الدول العربية والإسلامية والصديقة لمصر من خلال الهبات والقروض الحسنة والمشاركة في بعض المشروعات الانتاجية والخدمية.
وخلاصة التحليل السابق أن مصر تمر بأزمة اقتصادية حادة بسبب تراكمات الماضى وأخطاء المرحلة الانتقالية ولكن اقتصادها في أمن عن مستوى الانهيار أو العجز عن سداد التزاماتها.
مقومات الصمود في اقتصاد مصر
يتوفر في اقتصاد مصر مقومات الصمود والتنمية من أهمها ما يلي :
1- العنصر البشرى ذو القيم والأخلاق والمهارة القادر على العطاء.
2- الموارد الاقتصادية الطبيعية منها: الأرض والمياه والصحراء والمعادن وسبل الاتصالات والطقس الجيد والآثار ... ولابد أن تستخدم استخداما رشيداً.
3- الأسواق والعلاقات التجارية الجيدة نسبيا مع معظم جول العالم
4- الموقع الجغرافى المتميز المتصل بدول العالم .
5- مقومات الجذب السياحى والاستثمارى.
كيفية الخروج من الأزمة والانطلاق إلى مرحلة التعافى والنهضة
من التساؤلات المتواترة على لسان كل مصرى مخلص لوطنه سواء من عامة الشعب أو من النخبة أو من رجال الفكر السياسى أو من المحبين لمصر ... كيف تخرج مصر من الأزمة الاقتصادية الحالية؟، وهل يمكن الوصول إلى مرحلة التعافى والنهضة؟
لقد اختلفت الرؤى نحو هذه التساؤلات وفقا للأيدولوجية والتبعية لمنهج معين ... على النحو التالى:
• الفئة المتشائمة:
ترى أنه لا أمل للخروج من الأزمة وأن اقتصاد مصرفى انهيار مستمر، وهذا سوف يقود إلى العجز في سداد التزامتاتها، ثم تأتى مرحلة الأفلاس ولا قدر الله.
• الفئة الصامتة:
ترى أن هناك أمل ضعيف جدا في الخروج من الأزمة وعلينا أن نصبر ونتحمل، وليس لها من دون الله كاشفة على حد قولهم، وأن الله سوف يحفظ مصر لأنها أرض الكنانة وهى مباركة.
• الفئة المتفائلة:
ترى أن اقتصاد مصر قوى ولكنه يمر بأزمة مثل بقية دول العالم، وسوف يعبرها، وينطلق نحو النهضة ومن مبرراتهم أو أدلتهم على نظرتهم أنه يتوفر في اقتصاد مصر مقومات الصمود و التنمية . وأن أميل إلى هذه الفئة على النحو الوارد تفصيلا في البند التالي .
الموجبات العشر للتعافي الاقتصادي والنهضة
يجمع علماء وخبراء الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرهم على اختلاف توجهاتهم وأيدولوجياتهم على أن هناك موجبات لابد وأن تنفذ حتى نخرج من الأزمة وننطلق إلى النهضة، ومن أهم الموجبات ما يلى:
أولاً: تحقيق الأمن والاستقرار الفعلى الشامل، وأساس ذلك ما ورد في القرآن الكريم من قول الله عز وجل: ((ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ))، وقوله سبحانه وتعالى لقريش: ((الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)) فالعامل الخائف لا ينتج ولا يبدع، والمال الخائف يهرب إلى مكان آمن.
ثانياً: التوافق الوطنى الصادق والأمين على أن تكون مصلحة مصر هى الأولى بالرعاية والاهتمام والوجوب، وتطبق القاعدة: "نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا، ويكون لنا في حديث ركاب السفينة الذى قال رسول الله: ........ إن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا".
ثالثاً: الاستقرار التشريعى ولا سيما في القرارات الاقتصادية التى تحقق الأمن للإستثمار .. ولرجال الأعمال، فالتخبط في القرارات يضعف الثقة في اقتصاد مصر.
رابعاً: السرعة في إنجاز قانون الحد الأدنى والأقصى للأجر لتحسين مستوى العامل ينتج ويبدع ويبتكر.
خامساً: تغليظ العقوبة على كل المفسدين لحماية الوطن وهذا من الموجبات الشرعية، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
سادسا: ربط القرارات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع عوائد عوامل الانتاج بالحق وفقا لقول الله عز وجل ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) .
سابعاً: الإدارة الرشيدة الخبيرة العملية بصرف النظر عن الانتماءات السياسية، وفقا لقول الله سبحانه وتعالى: ((وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) وقوله عز وجل: ((فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا))
ثامناً: الاعتماد على تمويل المصريين للمشروعات الانتاجية والخدمية ذات العلاقة بالضروريات والحاجات، للمحافظة على الحرية في اتخاذ القرارات وسيادة الوطن ويكون
لمبدأ "خيرات المصريين للمصرين" وفقا للقاعدة ابدأ بنفسك. تاسعاً: اللجوء إلى الاقتراض بفائدة يكون لضروه معتبرة شرعاً ومن شروطها الشرعية أنه بدونه تكون المهلكه والحياة الشاقة التى لا تحتمل وأنه قد سدت كافة أبواب الحياة، وموافقة أهل الحل والعقد، وأساس ذلك قول الله عز وجل: ((فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، والقاعدة الشرعية التي تقول: والضرورات تبيح المحظورات.
عاشرًا: الالتزام بالقيم والاخلاق والسلوكيات الحسنة التي وردت في كافة الأديان السماوية، فلا خروج من الأزمة والانطلاق إلى التعافى إلا بالأخلاق، وصدق الله القائل: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف) وقوله عز وجل: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) (طه)
الخلاصة
تمر مصر بأزمة اقتصادية حادة لأسباب جمة، منها تراكمات الفساد من نظم الحكم السابقة، وللأخطاء المتعددة في المرحلة الانتقالية، والانفلات الأمني، والتناحر السياسي، والتآمر الخارجي.
ومع ذلك فإن اقتصاد مصر يقوم على دعائم صلبة، منها: العنصر البشري والموارد الطبيعية الغنية والموقع الجغرافي المتميز والطقس المعتدل والمناخ والاستثمار الجاذب والآثار الحضارية والشعب العظيم ذو القيم والأخلاق والمثل السامية، ولكن ينقصه الإدارة الرشيدة.
ومن موجبات التعافي والنهضة الاقتصادية في مصر ما يلي:
• الاهتمام بالعامل ماديًّا ومعنويًّا لينتج ويبدع.
• تأمين رأس المال والمستثمرين حتى يوظف توظيفًا آمنًا.
• الاستقرار الأمني والسياسي والتوافق الوطني.
• إصدار التشريعات اللازمة للتصدي للفساد، ولحماية العمال والاستثمارات والوطن وربط القرارات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. • الالتزام بالقيم وبالأخلاق وبالسلوكيات الحسنة وتفعيل مبدأ المواطنة بدون إقصاء أو تهميش.
• استشعار قول الله سبحانه وتعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)، وقوله عز وجل: (وألوا استقموا على الطربقة لأسقيناهم ماء غدقًا).
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
-------------
* الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية.