تمرُّ مصر في هذه الفترة الحرجة من تاريخها بلحظاتٍ حاسمة تحدد ملامح مستقلبها ومستقبل المنطقة كلها، ففي نهضة مصر الدولة الرائدة والكبيرة والقاطرة لغيرها من الدول نهضة لتك الدول وللمنطقة بأسرها، وهذا هو السبب الحقيقي لاستهداف التحول الديمقراطي في مصر والمحاولات الجادة لإعاقته من قبل دول وجهات وأجهزة عديدة.

 

فقدر ومكانة مصر محفوظ في التاريخ منذ نشأتها وحفره أجدادنا بعلمهم وعملهم وكفاحهم وعرقهم ودماءهم بل وأرواحهم، وسطروا بأحرفٍ من نورٍ هذا التاريخ وتلك المكانة، وكفانا فخرًا بتلك المكانة ذكرها في القرآن الكريم عدة مرات، وأنها الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد علم باسمها وهو علم المصريات  "Egyptology ".

 

ولقد أبدع شاعر النيل "حافظ إبراهيم" في رائعته "مصر تتحدث عن نفسها" في الحديث عن بعض مناقب وفضائل مصر وقال في مطلعها:

وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعًا        كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي

وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهـ       رِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي

أَنا تاجُ العَلاءِ في مَفرِقِ الشَر       قِ وَدُرّاتُهُ فَرائِدُ عِقدي

 

لقد ترك لنا الآباء والأجداد منذ فجر التاريخ أحداثًا وأفعالاً نباهي بها الأمم والشعوب ونفاخر بها، وجاء دورنا لنترك لأبنائنا وأحفادنا ما يفخرون به ويباهون به الأمم بعد سنين وسنين، ولا ينبغي أن يكون جيلنا هذا هو الحلقة الأضعف في تاريخ مصر، وأن يُضرب بنا المثل في التشتت والفرقة والخلاف وضياع الفرص تلو الفرص والتسابق على المغانم، بل وللأسف التسابق على إغراق سفينة الوطن من أجل مصالح فردية وحزبية زائلة.

 

لقد أبهرنا العالم كله بثورة سلمية أطاحت بنظام دكتاتوري جثم على صدورنا عشرات السنين وبدأنا في طريق التحول نحو الديمقراطية وبناء الدولة ومؤسساتها وإصلاح ما أفسده النظام السابق وسدنته في كل المجالات.

 

ولقد ضحَّت مصر في سبيل تحقيق هذا الهدف بالمئات من الشهداء وآلاف المصابين، ومن قبل ذلك واجه الشعب هذا الظلم وقاومه وتحمل طغيانه وسجنه وسجانيه وتعذيبهم له وافتئاتهم على حقوقه حتى تحققت الثورة التي أصبحت مضرب الأمثال في الدنيا كلها.

 

واعتقدنا أن الوقت حان للعمل والبناء والإصلاح والتطوير والتعاون والتكامل والتكافل وكل ما يحويه قاموس العمل الإيجابي لنكمل بناء الصورة الجميلة التي رسمناها جميعًا، ولكن عزَّ على البعض ألا يختاره الشعب في هذه المرحلة لقيادته أو للمشاركة بصورة ما في مجالسه التشريعية المنتخبة، فتسابقوا لإفساد الإرادة الشعبية وتسفيهها والتحايل عليها بل ولجأوا لما هو أبعد بتخوين شركاؤهم في الثورة ونجاحها وكيل الاتهامات الباطلة لهم.

 

لقد استسهل هؤلاء سبيل الوصول للجماهير بنقد وتجريح الإخوان المسلمين وكلالقوى الإسلامية وكل المؤيدين للمشروع الإسلامي، بدلاً من أن يفرغوا وسعهم وطاقتهم وجهدهم في إعداد برامج عملية و رؤى منطقية ينالوا بها ثقة الشعب في المراحل التالية، وتناسى هؤلاء بكل أسف مصر ومصلحتها ودورها ومكانتها وزايدوا عليها وعلى مستقبلها بكل الأساليب الرخيصة وغير المقبولة وطنيًّا وأخلاقيًّا.

 

إن مصر أكبر من أي فصيل أو قوى سياسية ولن تبنى إلا بجهد الجميع وبعيدًا عن المزايدات الرخيصة والادعاءات الباطلة والتهم الزائفة والتخوين الممنهج والتشويه المتعمد للوطنين المخلصين، فمصر لا تستحق من بعض أبنائها كل هذا الجحود والنكران، لمجرد اختلاف فكري حول المشروع الإسلامي ومعتنقيه واختيار الشعب لممثليه كنواب عنه.

 

إن المشكلة الأساسية لبعض القوى هو رفض المشروع الإسلامي بكل عناصره وبشتى الطرق، ولو أدَّى الأمر لإغراق البلاد في متاهات لا أول لها ولا آخر بكل أسف. فالشعب هو صاحب الإرادة وواهب الشرعية لمَن يريد ومسقطها عن من يريد، فلا بد من النزول على تلك الإرادة وتعظيمها والتعايش معها.

 

لقد تسابق البعض في تشويه الصورة ولوي عنق الحقائق والافتراء والادعاء بالزور والبهتان على المخلصين من أبناء مصر، وتحالفوا مع من أهدر الدماء وسرق الأموال ونهب البلاد، واتبعوا النهج الميكافلي "الغاية تبرر الوسيلة" في تشويه أي قرار أو خطوة تقود البلاد للتقدم أو تساعد على الاستقرار والبناء والوحدة، وتناسى هؤلاء أن ذاكرة التاريخ والشعوب لا تنسى أبدًا تلك الأفعال الشيطانية التي يسعون من خلالها لتقويض الشرعية والالتفاف عليها وإهدار الإرادة الشعبية تحت دعاوى باطلة، وتناسوا أيضًا السنة الإلهية الراسخة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ).

 

فهل يُعقل أن يعترف العالم من حولنا بأفضال مصر وباستعداده للمشاركة الجادة في إعادة بناء نهضتها، ونجد بعض أبناءها يتسابقون في تشويه صورتها وصورة قيادتها ورموزها المنتخبة بل والاستعداء الصريح على مصالحها بالدعوة لعدم الاستثمار فيها الآن؟! أو لتدويل بعض الخلافات أو إغلاق بعض المصالح والمنشآت الحيوية أو التهديد بذلك؟! إن في ذلك تجاوز لكل الخطوط الحمراء في الخلافات ودخولها منطقة لا نتمناها لأي قوى سياسية وطنية في مصر الثورة.

 

إن ما تحتاجه مصر من الآن وهو حقها علينا جميعًا وحق الأبناء والأحفاد هو أن نخلص لله في حبها والبذل والتضحية من أجلها وأن نغلب الصالح العام على الخاص وأن نتوحد ونتكاتف من أجل إعادة بنائها ونهضتها من جديد. وأن نترك الشقاق والخلاف والتنابذ وكل أسباب الفرقة وليكن رائدنا هو قول الله عز وجل: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

 

فليقدم كل منا جهده وعلمه وعمله وطاقته قربة لله وحبًّا لمصر وشعبها بغض النظر عن التوجه الفكري أو الانتماء السياسي، فمصر بحاجتنا جميعًا ولها أفضال علينا جميعًا، وهذا هو وقت السداد والعرفان بالجميل.

 

وهذا ما عبَّر عنه العديد من قادة وزعماء ورموز الدول العربية والإسلامية وأعربوا بطرق عملية عن حبهم لمصر ولشعبها واعترافهم بجميلها عليهم وعلى أجدادهم وبلادهم من مئات السنين.

 

إن مصر بحاجة الآن لجهود كل المخلصين من أبنائها في كل مكان ومجال وتخصص ولننكر ذواتنا ونقدم مصالح مصر على مصالحنا ولنتسابق في العمل والبناء وتقديم الخير لمصر وشعبها.

 

وأن يبذل كل منا أقصى جهده لاستعادة مصر لمكانتها ومجدها، ولنلتف حول قيادتها ومؤسساتها الشرعية والمنتخبة وندعمها ونمدها بما تحتاجه لنهضتها، فنهضة مصر ليست حكرًا على فصيل دون آخر، ولن تتحقق لفصيل دون آخر، ولكنها نهضة لنا جميعًا ولأمتنا كلها بإذن الله.

حمى الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.