كنت أعتقد وأنا صغيرة أن الكتَّاب والمفكرين وكل صاحب قلم ليسوا بشرًا عاديين مثلنا، ليسوا أمثالنا، لا يفكرون بطريقتنا ولا ينظرون للأمور بنظرتنا؛ لأن لديهم همومًا ثلاثة: همّ تحليل الأمور بنظرة زمنية أسرع وأوسع وأشمل من غيرهم، وهمّ التعبير عن ذلك بضمير قلمه، وهمّ شرف المهنة مهما واجهوا بأخلاق تتناسب مع مهمة شريفة وعظيمة تحملوها ومنَّ الله عليهم بها حتى يقودوا العقول بأقلامهم وأقوالهم.

 

إن شرف القلم والحروف التي يكتبها الكاتب أخطر عليه من المرض الجسدي الذي تخصص فيه الكثير من الأطباء وأوجدوا له العلاج، أما المرض الفكري فهو خطير؛ لأن صاحب المرض لا يشعر بمرضه، فلن يطلب العلاج، وقد يكون الكاتب هو سبب عدوى هذا الفيروس الفكري، الذي أنتجه من بنات أفكاره ولبنات أسنان قلمه، حتى وإن أراد أن يعالج ما أشاع قد يكون قد استشرى وتبناه غيره هنا وهناك، فيتحمل وزر ما فعل بل ما كتب.

 

إن شرف القلم واللسان لا يتوقف عند كتابة كل ما أريد ريثما أريد، وأينما وكيفما أريد، ولكن إن أراد القلم أن ينطلق بإبداعه لتنطلق جراثيم فكرية معها عليه أن يسأل: هل هذه الانطلاقة حق أم باطل؟ لأن الله يحاسب على النوايا لا على الظواهر والنتائج، وأن يعلم من فقه الأولويات ما يقي بما يكتب شر الفتن.

 

كنت أعتقد أن الكاتب وصاحب القلم له إكليل أخلاقي يتميز عن غيره به؛ لأنه يتعامل مع أدق جزء في الإنسان احتار فيه العلماء والمتخصصون فهم يعالجونه من غير أن يروه، ألا وهو عقل الإنسان فهو يتعامل مع جزء به يرفع عن الإنسان، القلم قلم الحساب لا الكُتَاب، يتعامل مع ما مُيز به الإنسان عن باقي مخلوقات الله عز وجل والذي به حمل الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال حملها وأشفقن منها، ولكن حملها الإنسان وحمل الكاتب وكل صاحب قلم أمانة يضيفها إلى رصيد هممه وهمومه، هم توجيه هذا العقل للاختيار.

 

كنت أعتقد أن صاحب القلم والفكرة يستطيع أن يتجاوز الأزمات الفكرية والخلافات الاعتقادية بسعة فكر ورحابة علم وتميز خلق ليقدم للعقول والأفهام كيف نختلف وكيف نعبر عن اختلافنا وكيف يضبط شرف القلم انفعالاتنا؟! ليستحق أن يوجه عقولنا.

 

كنت أعتقد ومما أراه حقيقة في هذا الزمن البعيد وكان واقعًا أن الكتاب في مجملهم لا يسب الواحد منهم على أوراقه أحدًا ولا يشتم ولا يهين ولا يخرج ألفاظ تجرح الآخرين، ليست لقوتها في الحق ولكن لتدني معانيها وخروجها عن الآداب العامة ولا يزل بلسانه ولا بلسان قلمه في كلماته وتعبيراته المقروءة والمسموعة عن منظومة المجتمع المحافظ بشكل عام المنحاز إلى فطرة الخير في القلب واللسان.

 

كنت أعتقد بل وكنت أشاهد وأسمع وأقرأ في القصص والروايات والأفلام والمسلسلات ما لم تصل به الألفاظ والعبارات الخادشة للحياء الآن مع تشابه المواقف وأصبحت أكثر جرأة فلا أتصور كيف قبل الكاتب أن يدنس قلمه بحجة أن هذا واقع الناس.

 

كنت أعتقد أن هذا الكاتب والمفكر.. و.. لديه من رهافة الحس ورقة المشاعر ما يجعل قلمه رفيع الخلق في التعبير عما يريده؛ لإيصال فكرته برقي وترفع عما قد يخالطه غيره من زحمة السلوكيات والتصرفات اليومية المشوبة بأزمة ضبط النفس والانفعال لكنه يخالط ويخاطب عقول ترسل إشارات ضبط النفس وتوجه بوصلة القناعات على الصواب منها.

 

كنت أعتقد أن النزاهة هي صلب قلمه، والضمير.. مسَّاحة يمحو بها حظ ابن آدم من الخطأ، والاعتذار.. يغطي حبره عن السير في فتن أغلقت.

 

كنت أعتقد أن سبق القلم لا يعلو تحري الدقة والأمانة وأن كثرة الصحف والقنوات و.... أكثر اتساعًا من الأخبار والأحداث فلا مانع من اختلاق أخبار ثم تكذيبها ثم تحليلها وتحليل تكذيبها وهكذا شغل بلا شاغل.

 

كنت أعتقد أن التفاؤل هو مدادهم الذي يمدون به قارئهم ويبثونه في مستمعهم.

 

كنت أعتقد أنهم لا يستخدمون مآسي الشعب كوسيلة للإعلان عن صحفهم وقنواتهم، حتى إنهم يستخدمونها فواصل أو مقدمة لبعض برامجهم.

 

كنت أعتقد أن انتقاء الأحداث والمحاورين هو لخدمة المشاهد، وليست لعبة ذكية تدار بتوجهات سياسية لإظهار جزء من الحق يراد به باطلاً أحيانًا، ولا وقت ولا عدل في بقية الحقيقة أن تظهر.

 

كنت أعتقد أن نمو الانتماء بحجم نمو مصلحة الوطن وحبه والإخلاص له دون ليّ ما بين السطور قولاً وتأويل تفاصيل الأحداث فعلاً.

 

كنت أعتقد الكثير.. والكثير.. و.. ولا زلت أعتقده وسأظل أعتقده وأعتقد معه الكثير عن شعبنا الحبيب وقوته وفطرته وعقله؛ لأن لولاه ما نهضت مصر خلال قرون مضت واعتلت مكانة برغم ما مر بها من محن، إلا إنها مصر الكنانة والدرة في العلم والمعرفة والأدب والفن والدين والحضارة والثقافة و.. ما شهد به القريب والبعيد، فكنت أعتقد أن كتابنا ومفكرينا (منارة المعرفة) يصونون ذلك بين سطورهم ولكن يظل سؤال يراودني أيًّا ترى، هل يعتقدون في أنفسهم ما كنت أعتقده أنا فيهم؟!!