لا ننكر أن الثورة المصرية أزاحت صخرةً كبيرةً عن باب كهف توارت فيه أمراض وأسقام من عشرات السنين، ولكن المشكلة تكمن في أن بعض أصحاب الثورة أنفسهم خرجوا من هذا الكهف أبصارهم وبصائرهم تشتكي الرؤية الواضحة، فرأوا الحياة بعين كليلة، وفهموا الحرية بعقل سقيم، وبات الإنسان إنسانًا مقلوبًا؛ يستحلي المر، ويستطيب الخبيث، ويرى الهمجية والفتك شجاعة، والاحتيال والمكر ذكاءً وفطنةً، وإرضاء الشهوات حريةً وإبداعًا، وكل ذلك أفسح مجالاً للثورة المضادة أن تنمو وتتخفى خلف هؤلاء.
ويبدو أن المفهوم الخاطئ للحرية لم يقف عند هؤلاء الذين ينتهكون أعراض الناس فحسب، وإنما امتد هذا المفهوم حتى وصل علانيةً لأن ينتهك بعض الناس أملاك الدولة وأراضيها، ويبدو أن مرض الحرية نفسه وصل إلى الجماد والدور والجدران؛ فبات الدار في يوم وليلة يتضخم حجمه ويزداد طولاً وعرضًا، ولكنه في أملاك الدولة، وكأن الدولة مستباحة، غنيمة ملقاة، وعلى قدر قوة ساعدك فاحمل.
إن تلك الظاهرة التي انتشرت في كل جسد مصر، إنما هي ظاهرة تنمُّ عن فكر سقيم، فكر رجل لا يرى تحت الشمس إلا نفسه. لقد كان النظام السابق يقسِّم أراضي الدولة ويعرضها في المناقصات الوهمية ليشتري لصٌّ من لص بشهادة لصوص وبلا ثمن، على حين غفلة من أهلها، وإن كان هذا شيئًا شائنًا إلا أنه كان في الخفاء، كانوا ينتهكون أملاك الدولة في شيء من الغموض وتحت جنح الظلم والظلام، أما الآن فقد بات من البطولة أن يمتد جدار بيتك في أملاك الدولة، وبات من الفروسية أن تغتصب قطعة أرض على النيل، وتدَّعي ملكيتها، وكأن النيل حين مرَّ في قديم الزمن مرَّ في ميراثك من أبيك، أو أنك شاركت في حفره. إن شر البلية ما يضحك.
لقد انقلبت الأمور في أذهان بعض الناس في تلك الأيام. إنهم ينظرون إلى أرض الدولة على أنها مغنم، يتبارون في الاستيلاء عليه، ولو كانت فكرة الاستيلاء هذه على الصحراء لقلنا إنهم يتسابقون في تعميرها، ولكنهم يتنافسون إما على السطو على المسطحات المائية والبحيرت، وإما على ضفاف النيل، وإما على منافع الترع والمصارف، وإما على السطو على الأراضي الزراعية وتصحُّرها والبناء في المخالف.
ومن اغتصاب أملاك الدولة صور التعدي على الأرض الزراعية بالبناء، فرغم أن الأراضي الزراعية مملَّكة بالميراث أو وضع اليد أو غيره وللشخص الحق في التصرف فيها كما يشاء فإن هذا التصرف لا يضر بالبلاد؛ فلا ضرر ولا ضرار، فإذا كان هذا التصرف يُعرِّض البلاد لخطر ما فإنَّ حرية الشخص هنا لا بد أن تقف لأنها تضر بلدًا بأكمله، والمعلوم أن أراضي الدولة ملك للجميع فلا يحق لبعض الناس أن يتملكها دون الآخرين، وما هو موجود الآن تراه ونسمعه إنما يهدد العدالة الاجتماعية التي قامت من أجلها الثورة، ولأننا نعلم أنه لا يوجد هنا أو هناك أقوام أوصياء على البلد وأراضيها يوزعونها كما يشاءون؛ فلا بد أن تُحفظ تلك الأراضي للجميع، ولا بد أن يستفيد منها الحاضر والقادم.
إنَّ الأجيال القادمة لها حق في تلك البلاد؛ فالذين سبقونا من الأجداد حفظوها لنا؛ فتمتعنا بها، ولا بد أن نحفظها لمن يأتي بعدنا؛ ولذا لا بد أن نتفهم جميعًا أن أراضي البلاد ليست ملكًا لفرد دون فرد، ولا لجيل دون جيل، فلا يحق لأحد أن يتملك ما ليس له؛ وإنما هي للبلد وأجياله الحاضرة والقادمة، ولا يحق لأحد أن يتأثر بها دون غيره، ولا بد أن نتفهم جميعًا أن الوطن بمائه ويابسه وفي كل أطرافه ملك للجميع، ولا بد أن نقوم لأجله.
نحن نتكلم هنا عن قضية عامة تخيم على أطراف المجتمع المصري وأقاليمه جميعها؛ فالسطو على البحيرات في الشمال لا بد أن يقوم له أهل الجنوب كما قام له أهل الشمال، والأرض التي باعها النظام السابق بأرخص الأثمان في الجنوب لا بد أن يقوم لها أهل الشمال كما قام لها أهل الجنوب، فالكل على خط دفاع واحد والكل يرمي عن قوس واحدة؛ لأننا جسد واحد وكيان واحد، والبدن الذي لا يتماسك بدن سقيم، واليد التي لا تتداعى لما يؤلم القدم يد مشلولة.
وكما أننا نحافظ على أرض الوطن من أي مغتصب خارجي فلنحذر المغتصبين الداخليين كذلك؛ لأننا كنا نعاني الاستعمار الداخلي من رجال أعمال النظام السابق، ولنقف يدًا واحدةً للحفاظ على أرض الوطن مما لا يرون الحق إلا لأنفسهم، ولنقف أمام من لا يجيدون الاستثمار إلا في دماء الناس أو في حقوق وطنهم وأراضيه.
--------
• بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج.