مدخل

كنت دائما في خطواتي الأولى على طريق الشعر أتعجب لتفوق بعض الشعراء وتميزهم وابتعادهم عن المعلب من التعبيرات والمعتاد من التراكيب والغريب من قواميس اللغة ، كنت أدهش من الخيالات البكر والصور الخلابة وكنت أطلق على هذا التميز ( عبقرية الموهبة ) وتوصلت إلى أن الصورة الشعرية بعيدا عن التعريفات القديمة المستهلكة هي ( تحريك الظل واستنطاق الصامت) فشتان ما بين قولك ( فلان كالنخلة) وان تقول ( فلان كالنخلة الشامخة التي تحتضنها السحب وتغرد فوقها الطيور).

 

لا تحتار كثيرا في كلماتي السابقة وتتساءل  ما علاقتها بموضوعنا فباختصار أرى أن الثقافة هي سقف كل قول وفعل ، نعم.. فهناك طبيب وهناك مهندس وهناك أديب وهناك... وهناك....، ولكن الطبيب المثقف أمهر ، والمهندس المثقف  أقوم والأديب المثقف أميز، وهكذا ....

 

ونحن في هذه الأونه وبعد انقضاء عقد من الزمن  رغم كساده ثقافيا مما أدى إلى كساده  علميا واجتماعيا واقتصاديا ربح فيه من ربح وخسر من خسر ، وانتهى بثورة عظيمة لشعب عظيم  مازالت تحاول تحقيق أهدافها  رغم كل العراقيل التي تواجهها والتي لو درسناها جيدا  سنجد أنها نتاج اختلاف الثقافات التي تتبناها الأيدلوجيات والتيارات المتصارعة بما فيها تيار البلطجة وأيدلوجية الجهل.

 

نحن في هذه الأونه ما أحوجنا إلى عقد ثقافي جديد على كافة الأصعدة  فلا تقدم ولا حضارة إلا بالثقافة  ، فربما تمتلك العلم والقوة  ولكن قد يكونان وبالا عليك لافتقادك ثقافة استخدامهما.

 

هذه الثقافة التي لم يستشفها بعض من مَن يدعون الثقافة في أولى آيات القرآن حين قال تعالى ( اقرأ) لم يقل أكتب فالكتبة كثر وإنما اقرأ تثقف ، وبرغم أنه كان لدينا سلسلة جيده ( مهرجان القراءة للجميع)  إلا أننا لم ندرك أهميته وإلا كنا صنعنا به المعجزات على مستوى الشعب متعلميه وأمييه وكنا بسطنا من خلاله العلوم والثقافات وأوصلناه  لكل بيت في مصر واستطعنا من خلاله أن نحقق تحضر المجتمع وتثقيفه.

 

معنى الثقافة

كما أشرت من قبل هي في رؤيتي سقف القول والفعل أي أفضله وأعقله وهى نتاج وعى كامل لما يدور من حولنا فبقدر وعيك وإدراكك وإحساسك بالواقع وتفهمك للمؤثرات وإلمامك بالماضي وتنبئك  للحاضر وقدرتك على الربط والاستفادة في تكوين شخصيتك يكون قدر ثقافتك.

 

روافد الثقافة

هكذا الشعوب والأمم مع فارق اتساع الدائرة وتعدد الروافد المغذية فعلى سبيل المثال مصرنا العزيزة تعددت الروافد المشكلة لشخصيتها الثقافية المميزة ومنها:

1- الحضارة الفرعونية بما قدمته من تاريخ حافل وتقدم مشهود مازال يبهر العالم علميا ومازلنا ننتظر اكتشافاته.

2- الحضارات الدينية المسيحية والإسلامية بما تملكه من معتقدات ومبادئ وقيم وعادات وفن في العمارة والآداب وغيرها.

3- الحضارات الاستعمارية مثل تأثير الحملة الفرنسية على مصر من اكتشافات وتعاملات وغيرها.

4- وغيرها من الروافد المتعددة والتي تنبع من البيئات المختلفة  في شمال وجنوب وشرق وغرب مصر لموقعها الفريد وسط العالم.

 

بل أن مصر الآن وكما اشرنا من قبل تمتلك عدة ثقافات مختلفة  الروافد مما يؤدى إلى اختلاف واقع كل ثقافة فمثلا ثقافة البدو في حياتهم وفنونهم وأعرافهم  غير ثقافة أهل المدينة لاختلاف الواقع ومؤثراته لكل فئة، وكذلك البيئة البحرية ، فمثلا ثقافة البحر غير ثقافة الشوارع المزدحمة حتى في اللهجة التي تعبر عن هذه الثقافة ومازلت أتذكر قول الشاعر الكبير محمد يونس في رائعته بنت السماء عن مدينة بورسعيد:

ولتسألوا عن فنها الطرقات

تجد الجواب بصمتها الشاجي حنينا للإياب

للهجة البحرية الكلمات

أخذت من الأمواج سرا

ليس في اللهجات

وصفوه فاضوا في الصفات

والوصف عجز عن بلوغك جوهر العظمات

 

علاقة الثقافة بالأدب والفن

في الحقيقة أن الأدب والفن وجهان لعملة واحده فالأدب هو فنية التعبير كتابة والفن هو فنية التعبير حركة وصوتا وكلاهما في حاجة كبيرة إلى ثقافة تؤثر فيه ويؤثر فيها ، فلو لم يتطور الأدب مستندا إلى تغيير ثقافته لكنا إلى الآن نقف أمام معانيه القديمة في الجاهلية والتي كان منها ( الطعام) ثم في صدر الإسلام ومنها ( التهذيب)، لكنه تطور بتطور الزمن  وتعدد الثقافات، ولنا مثال حي في تأثير الثقافة على أدبيات الفرد، هل تذكرون قصيدة على بن الجهم عندما جاء من البادية إلى مجلس المتوكل فمدحه بقوله:

أنت كالكلب في وفاءك للعهد وكالتيس في صراع الخطوب

أنت كالدلو- لا عدمناك- دلوا من كبار الدلى  كثير الذنوب

 

فانتفض الناس حول المتوكل يعنفون عليا ، لكن المتوكل فهم حسن مقصد على  الذي جاء نتاج بيئته وأنه ما رأى  سوى ما شبهه به، فأمر له بمنزل جميل على شاطئ  دجله وأوصى له بخدم وحشم ، وبعد ستة أشهر استدعاه المتوكل وقال أنشدنا يا على فقال:

عيون المها بين الرصافة والجسر   جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى

أعدن  لي الشوق القديم  ولم  أكن    سلوت ولكن  زدت جمرا على  جمرى

 

تغيرت اللهجة بتغير البيئة وكذا الوصف  من المعايشة للثقافة الجديدة ، وهذا الموقف يدل أيضا على شخصية الحاكم المثقف  وكيف أدرك المتوكل بشخصيته المثقفة  أن تغير اللهجة بتغير البيئة وثقافتها.

 

فدائما ما يكون الأدب والفن  معبرين عن واقع ومشاعر  وفكر الأديب أو الفنان الذي هو بطبعه فرع من شجره وربما ورقة من فرع ، فهو يعبر عن الآخرين في بيئته ومجتمعه وقليلا ما يتجه الأديب أو الفنان في التعبير عن ثقافة مجتمعات أخرى بغرض اطلاع مجتمعه عليها للاستفادة منها.

 

هذا بجانب أن الاتفاقات السياسية والاقتصادية  والفنية في أحيان كثيرة  تفرض عليك ثقافات الغير دون أن تشعر ( استعمار لا وعيي) على سبيل المثال  ثقافة ( آلتيك أويى) وثقافة ( البوى فرند) والأسماء الأجنبية  للمحلات وغيرها ، من الثقافات الضارة ، وهناك كما قلنا ثقافات وارده مفيدة في جميع المجالات وخاصة في مجال الأدب ومجال الاقتصاد وغيره.

 

إذن تستطيع أن تغير  مفاهيم وحياة شعب بأكمله عن طريق تغيير ثقافته وتغيير هدفه المنشود في مرحلة من المراحل ، وقد رأينا ثقافة الانترنت وأثارها، فما بالكم لو كان هذا التأثير عن طريق جماليات الأدب والفن؟

 

الهدف

كما قلنا في البداية أن مصر بعد الثورة لابد وأن تكون قوية دستوريه تحقق الحرية والعدالة في إطار من القومية العربية التي تحافظ على وحدة الأمة ، لقد صنع الغرب الذي قام على ما نقله من حضارة عربية إسلامية وانطلاقا منها متطورا ومجددا ما لم نصنع ذرة منه إلى الآن حتى انه حقق قوميته الأوروبية ( الاتحاد الأوروبي ) وأصبحت أوروبا أشبه بالقطعة الواحدة التي تقسم داخليا إلى مربعات يتأثر بعضها ببعض رغم الاختلاف  لكن في النهاية هناك ثوابت  ثقافية تربط بين الجميع.

 

وستظل مصر هي أمل الأمة في تحقيق وحدتها وليس قوتها فقط بل والارتقاء بثقافتها لتظل شعاع الحضارة المميزة في العالم.

 

من هنا لابد وأن يكون هدفنا الثقافي هو نحو ثقافة فعالة تقوم على أساس تقبل الأخر بل وفتح الطرق أمامه لعرض بضاعته وثقافته وبقدر تأثير ثقافة الأدب على الجمهور المحب له سيكون النجاح في التأثير على الناس في تقبل أو رفض البضاعة الثقافية الأخرى.

 

ولتحقيق هذا الهدف لابد من رؤية واضحة تحدد المعالم ، ماذا نريد بالضبط  وكيف السبيل إلى ذلك وما خطة العمل لتحقيقه وماذا تتوقع من نتائجه وأثاره.

 

الرؤية

لا بد وأن تكون لدينا ثقافة مرنه تعبر عن مصر الوطن والشعب ، مصر الرائدة لأمتها ، ثقافة نابعة من وجدان وطني عربي يستفيد من تجارب وثقافات الآخرين لكن دون أن يتلون أو يتنازل بل يكون تأثيره أقوى.

 

الخطة

لا بد وأن نبدأ في إعادة النظر إلى المستهدف وأسلوب الاستهداف فعلى سبيل نوادي الأدب مثلا ماذا تقدم أندية الأدب  من فكر وفن وأدب وهذه  في مجملها ( ثقافة) تنشد تثقيف البيئة المحيطة بها  وهل ما يقدمه النادي يصلح ولو صلح هل يكفى ولو كفى هل يؤثر ولو أثر هل ينتج عنه ما يفيد؟

 

لي تجربه في قصر ثقافة المطرية من 2004 إلى 2006  يشهد لها رواد قصور الثقافة ومسئولوها كيف استطعنا جذب المتلقين وإعطاء الفرصة للمواهب  المبتدئة فالمطلوب تفعيل دور نوادي الأدب والمطلوب اهتمام الأعضاء العاملين المتحقق فيهم الموهبة والإتقان  بالأعضاء المنتسبين على الطريق  من خلال عقد ورش عمل قبل موعد الندوات، ولابد من إصدار قرار يلزم أندية الأدب  بإصدار نشره لكل ناد وتخصص ميزانية لها  تلك النشرة البسيطة من الممكن أن تكون الجريدة الأولى للمربع السكنى الذي يقع فيه نادي الأدب.

 

وعلى سبيل المثال أيضا إصدارات الهيئة ونعلم ما كان يحدث في بعضها من مجاملات أو تعطيل لتجارب إلى أن يمر وقتها ثم تطبع لكثرة المعروض أو تضيع ، ولو لدينا ثقافة الأفضل من خلال مسابقات  كان ذلك أجدر ولو لدينا تشريع  أن الأديب الذي يطبع له بالهيئة لا يطبع له مرة أخرى إلا بعد خمس سنوات لمنحنا الفرصة لعدد كبير من المبدعين ولأصبح المعروض للطبع أقل  وأجود.

 

وعلى سبيل المثال مؤتمرات الهيئة ، ولابد وأن نعترف أنه رغم الجهود المخلصة المبذولة ألا أن هناك قصورا لابد وأن يعالج ومنه مثلا  أنني تقدمت في مؤتمر الأقصر 2004 باقتراحات منها عدم سفر ممثل النادي للمؤتمر إلا مرة واحدة كل أربع سنوات لمنح الفرصة لتمثيل أكبر  وتنوع أكثر  ومنح أندية الأدب الفرصة في اختيار الأنسب لأن المرشح لابد وأن يتحقق فيه أمران:

1- موهبة متمكنة

2- إدراك مسئولية ترشيحه  وواجباته

 

فقوة المرشح من قوة النادي والعكس بالطبع صحيح ، ولذا يجب مراعاة الاختيار لأنه يحمل آمال وهموم ناديه بل ومحافظته ، والسفر ليس للنزهة وان كانت الهيئة مشكورة لا تغفل هذا الاتجاه للترفيه عن الأدباء.

 

ومما يجدر الإشارة إليه أيضا أن ندوات المشاركين الخاصة الجانبية  تكون أفضل من ندوات جدول المؤتمر إما بسبب  سوء اختيار الشخصيات المقدمة للندوات وعدم توافر ثقافة التقديم لديها مما يحدث مجاملات ومشدات وقد يكون المقدم حسن الظن حيث يخشى أن يقدم مبدعا لم يره من قبل فيهبط باللقاء من بدايته.

 

وأيضا المجهود المبذول في الأبحاث  المقدمة لا يقابله مجهود جيد من المشاركين في الاهتمام بقراءتها ودراستها إلا القليل ، ربما لضيق الوقت وربما لتكاسل البعض ولابد من البحث عن ثقافة تحفيزية تحث الأدباء على المشاركة الفعالة في الجلسات.

 

لا أريد الإطالة في الأمثلة لكننا في الحقيقة كما قلت لابد من وضع هدف ورؤية وخطه نتحرك من خلالها لصناعة عقد ثقافي جديد لمصر وهذا يحتاج إلى إدارة تنظيمية مثقفة تشمل:

1- إدارة لثقافة جديدة   

2- لجنة استشاريه من كبار المثقفين تمثل كافة الاتجاهات والمدارس

3- عناصر فعاله مساعده على مستوى الجمهورية يتم تدريبها لتنهض بالأماكن المسئولة عنها

4- آليات تواصل مع المجتمع والناس

 

وعلى تلك الإدارة وضع خطة تبدأ من التعليم الثقافي للأطفال في المدارس وعبر وسائل الإعلام وخاصة برامج الأطفال لينشأ الطفل على سلوك ثقافي  يكون ويهذب شخصيته في المستقبل وتنتهي بالثقافة التعليمية والتي تشمل تغيير سلوكيات الناس وتطوير ثقافتهم إلى الأفضل أو ما يسمى بالتغيير الثقافي أي تطوير المواقف بما يتفق مع مبادئ الأمة وقيم الوطن.

 

كل هذا يحتاج إلى التدعيم من الدولة أو النظام الحاكم الذي لابد وأن يؤمن بالهدف من تطوير الثقافة حتى يساهم في نجاحه وتحقيقه لا في عرقلته وإخفاقه فكم من الأنظمة التي أرادت لشعوبها أن تحيا في ظلام الجهل لأغراض شخصية ومكاسب فردية .

 

لا بد للدولة أن توفر  وسائل التغيير الثقافي من  ماديات وخطط وتدريب والتزام بتوزيع الأدوار وتوفير المناخ ومحاسبة المقصر والمتهاون ومن قبل كل هذا توفير العمل الجماعي والهدف العام الذي لا يتأتى إلا بالإرادة والفهم  والتنمية الذاتية للأفراد والمسئولين.

 

فبرغم موقفي الشخصي من الحقبة الناصرية إلا أنها كانت من ابرز الحقب الثقافية لأن الجميع التف حول ثقافة القومية العربية ثقافة المشاركة ثقافة المقاومة فكان هناك مشروع يخدمه الأدب ويدعمه الفن، ربما فشل في النهاية لأسباب خارجية تتمثل في رغبة الغرب والعدو بعدم تقدم مصر، وداخلية نتيجة عدم الإحساس بالمسئولية تجاه هذا الوطن وقيمته والعمل لأغراض شخصية انتهت بنكسة على جميع الأصعدة وللأسف لم يتمكن جمال من إدراك الأمر الذي فطن إليه قبل وفاته ، وكاد السادات أن يحقق هذا الأمل لكنه وقع في النهاية  في فخ أخطاء سابقيه.

 

وأظن أن الفرصة الآن  كبيرة ومتاحة على جميع الأصعدة لنتحرك بحرية نحو غد أفضل وهل هناك من شاهد أقوى من ما نراه فى معركة الدستور ومشاركة جميع الطوائف والأعمار والأيدلوجيات وما نراه من خلال الجلسات من جذر ومد للوصول إلى دستور يعبر عن مصر بعراقتها وحضارتها وثقلها السياسي والثقافي والفني.

 

إننا أمام مسئولية كبيرة تجاه وطننا كمثقفين أدباء علينا أن نحمل هم تطوير ثقافتنا في ساحة الأدب ولا ننظر إلى الساحات الأخرى وإلا أصابنا الكسل والعطب ، لابد وأن نكون في المقدمة كعربة قيادة القطار التي تشد خلفها كل العربات الممتلئة بالمسافرين إلى غد افصل إن شاء الله تعالى.

ناصر صلاح

أكتوبر 2012