لا يختلف اثنان على أن كل القوى السياسية، تأكد لها أنه ليس بإمكان أي فصيل إقصاء الفصائل الأخرى، وأن ما جاء بالصندوق لن يذهب إلا بالصندوق، وأن أقصر الطرق للتغيير الوسائل الديمقراطية، وعلى الجميع أن يستمع لصوت العقل، ويستجيبوا لدعوات الحوار ولمّ الشمل، خاصةً في هذه المرحلة الدقيقة التي يتربص بنا فيها الأعداء على المستوى العالمي والداخلي، ففلول النظام السابق ما زالوا يحاولون الانقضاض على الثورة، ويواصلون ليلهم بنهارهم من أجل، التخلص من كل القوى السياسية الثورية، سواء كانت إسلامية أو يسارية أو ليبرالية.
فهذه المرحلة تحتاج لحصافة سياسية، وقوى وطنية تقدم مصلحة مصر على مصالحها، وتغلب مطالب الشعب الذي دفع من حريته فاتورة أسوء مرحلة تاريخية مرت عليه، على المصالح الحزبية الضيقة، والمكاسب السياسية التي لا تفيد إلا أصحابها.
لذا أصبح من فرائض الوقت أن تتجمع القوى والأحزاب السياسية على قلب رجل واحد، تحت أجندة وطنية موحدة، ويتبنوا مشروعًا سياسيًّا يتكامل الجميع فيه، ويساعد الرئيس المنتخب في مهمته الصعبة، ويلبي مطالب الشعب، وينهض بالوطن من كبوته، ويكون للجميع دور في بنائه وتنفيذه، وعلينا نبذ روح الفرقة والتفرق، التي يحاول بعض شباب القوى الثورية بثها، في الأوساط السياسية.
وأرى أن الدعوة التي أطلقها د. الكتاتني للحوار مع مختلف القوى السياسية، وتبنى الشيخ الجليل محمد حسان وكوكبة من علماء التيار السلفي دعوة الاتحاد، تستهدف بالفعل لمَّ الشمل، وتذويب الثلوج وتقارب وجهات النظر، وتؤكد هذه الخطوات الجادة نحو المصالحة الوطنية، مدى حرص الإسلاميين على توحيد الصف، وإنقاذ مصر من نار الفتن، والعودة للغة الحوار، والحفاظ على أمن وسلامة المصريين، والسعي بقوة نحو الآخر حتى لو اختلفت وجهات النظر، وتباعدت الآراء، فهذا ما تعلمناه من النبع الصافي وحامل الرحمة للعالمين رسول الله الكريم.
وأتمنى أن يستمع رموز قوى المعارضة لصوت العقل، ويغلبوا مصلحة الوطن ويقصروا المسافات، ونرفع جميعًا شعار نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فمصر تسع الجميع، وهي أيضًا للجميع، ولن يستطيع فصيل بمفرده تحمل أمانة الوطن في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، وعلينا أن نستفيد من أخطاء الماضي؛ لنسير جميعًا نحو بناء مصر الحديثة.
وبالطبع نحن هنا لا نطلب أن يكون الجميع منصهرًا في لون سياسي واحد، بل كلٌّ منا يسعى لتحقيق مشروعه السياسي، بل ويتنافسون بكل قوة في الانتخابات البرلمانية القادمة، ويسعى الجميع لتحقيق الأغلبية، لكن كل ذلك في إطار المنافسة السياسية الشريفة البعيدة عن الصراعات والفتن، وفي ظل تغليب مصلحة الوطن وحقن الدماء المصرية، ورفض روح الكراهية والإقصاء، ونقدم للشعب نموذجًا جديدًا للعمل السياسي الراقي، فهذه أمنيات نستطيع بالإخلاص لله ثم الوطن أن نحققها.