عقد في الفترة من 17 حتى 21 من الشهر الجاري المؤتمر السنوي لأدباء مصر (مؤتمر أدباء الأقاليم ) الذي تقيمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكالعادة مُورست سياسة (الإقصاء) التي تجرى في جميع المنابر الثقافية التي تمتلكها الدولة، ومن المفترض أن تضم كل أطياف المجتمع، إلا أن اليسار العنصري في بلادنا يصمم على أنه هو حامل لواء الثقافة ويدعى أنه الوصي عليها، لذا لم تتم دعوة أحد من الأدباء والمفكرين الإسلاميين إلى المؤتمر، وكأننا مازلنا نعيش في جو الستينيات القاتم، الذي روَّج فيه للثقافة الماركسية الشيوعية والأناركية، يحدث هذا ولا يسمح لأحد بالكتابة أو الظهور في وسائل الإعلام المقصورة عليهم وحدهم، وفي أحد مؤتمرات اتحاد كتاب مصر زعم الدكتور صلاح فضل (القطب اليساري) أن المثقفين هم من أهل اليسار فقط، وظل مؤتمر أدباء الأقاليم منذ عقد مؤتمره الأول في المنيا سنة 1984، حتى اليوم حكرًا عليهم فقط، لأن الإسلاميين كانوا يؤدون فريضة النضال والكفاح والمعارضة خلف قضبان سجون مبارك ومعسكرات تعذيبه، فخلت الساحة لهم، وحازوا كل المميزات من الجوائز والمناصب والتكريم، كان اليساري تشق له الطرق وتعبد، ليعبر سريعًا إلى هذه الامتيازات التي حرم منها الآلاف في ظل نظام قمعي وبوليسي، هلل له هؤلاء، بل إن هذا النظام خصص حراسة من وزارة الداخلية لبعضهم، مثل زعيمهم رفعت السعيد، كان هؤلاء يشيدون بمبارك ونظامه وبفضل سيدة مصر الأولى سوزان مبارك وخدمتها للثقافة المصرية ومشروع النهب للجميع (القراءة للجميع)، وفي أول مؤتمر عقد في غياب مبارك بعد خلعه، العام الماضي وقف رئيس هذا المؤتمر (دورة 2011) فؤاد حجازي (القطب الشيوعي)، يهيل التراب على الإسلاميين ويتهم الشعب المصري بالجهل والغباء لأنه أتى بهؤلاء إلى مجلس الشعب، فهاج عليه البعض ممن دعوا من المحايدين الذين دبت في عروقهم النخوة، فاتهمهم القائمون على هذا المؤتمر بالسلفية والفاشية الدينية، لذا كانوا حريصين في هذه الدورة التي عقدت مؤخرًا على استبعاد كل من تُشم لديه رائحة الفكر الإسلامي، وكان أن ادَّعى رئيس المؤتمر (دورة 2012) صنع الله إبراهيم (القطب الشيوعي ولست أعرف السبب في تولية هذا المنصب للشيوعيين كأننا نعيش في عصر لينين وستالين وخروشوف وبريجينف)، ووقف يعزف على مقولة التيار الديني الفاشي قائلاً: "إن المؤتمر يأتي في سياق بالغ الخطورة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وفكريًّا؛ حيث الهجوم على حرية الفكر والإبداع، وصياغة دستور معيب يؤسس للفاشية العسكرية والدينية، وعلى الرغم من ذلك فالثورة مستمرة وينبغي أن تستمر، من أجل مواجهة كل هذا العوار الذي يمر به الواقع المصري، وجدير بهذا المؤتمر أن يكون صرخة في وجه الطغيان.
ثم يقف رئيس هيئة قصور الثقافة، ليعزف مقطوعة على آلته منفردًا، ويشير إلى السياق الزمني الذي يقام فيه المؤتمر؛ حيث يأتي قبل أسبوع من الاحتفال بالذكرى الثانية لثورة يناير، وأكد أن المؤتمر يشهد الآن اشتداد العود وامتداد الإنجاز، وكعادة الأدباء والباحثين يسهمون في كل عام في سبر أغوار الواقع والبحث عن طرق ممهدة مخططة للمستقبل، وهي القوى الناعمة المنوطة بالثقافة الدائمة.
كذلك نوَّه بأن المؤتمر يعقد بعد ثورة، ومن هنا لا بد له أن يتحرر من كل أشكال القمع والانتهاك، والمنتظر دائمًا من المثقف أن يكون في قلب الأحداث، ويناوئ بنصوصه الاستبداد والقهر والتلاعب بالعقول، وهو بهذا يقوم بدوره الطبيعي المنوط به دائمًا. بعدها يختم هذه المقطوعة مايسترو الفرقة الوزير (خريج الأزهر) الذي انحاز إلى اليسار الذي يعتقد أن الإسلام وحده هو "أفيون الشعوب" الذي كان من رجال مبارك وزوجته، وسودوا في مدحها آلاف الصفحات والبوسترات والكتب التذكارية والنشرات، انحاز بشدة إلى هذه المهزلة وإلى هذا الإقصاء المريب، وإلى زمرة الشيوعيين الذين لا يملكون أي رصيد في الشارع المصري، ويستكبرون على الشعب طوال الوقت، وزعم أن الهوية المصرية في خطر؛ لأن الإسلاميين احتكموا إلى الشعب الذي اختارهم في انتخابات نزيهة شهد بها القاصي والداني، سرقوا مصر ويريدون أن يدمروا ثقافتها وحضارتها وتاريخها، والعجيب أن هذا الوزير الذي استقال من منصبه قبل أكثر من ستة أشهر لكي يحصد 200 ألف جنيه بعد أن زكاه المجلس الأعلى للثقافة الذي يحرم الإسلاميين من دخوله، بل لقد عمل الوزير في الفترة الأخيرة على "فلترة" الوزارة والمجلس الأعلى للثقافة من أي فرد يشم منه ريحة الإسلامية..
وفي جميع المؤتمرات التي سبقت الثورة، كان الأدباء الذين يسهلون شراءهم بطبع ديوان أو بدعوة مؤتمر فيه (البوفيه المفتوح والإقامة الفاخرة وإعطاء الحقائب التي يتنازعون عليها والمبالغ المالية) يشيدون بدور مبارك الإنسان حكيم العرب الذي زرع الرخاء على أرض مصر، ولم نسمع منهم إدانة للمذابح التي كانت تتم للمعارضة في السجون والمعتقلات، رضوا بالفتات الذي كان يقدم لهم من فضلات مبارك وزوجته والوزير الفنان الذي كان يفتخر بأنه جمع الأدباء في حظيرة النظام، وكنت شاهد عيان على التوصيات وبرقيات التأييد للنظام البوليسى الفاشي الذي اغتصب السلطة قبل أكثر من ستين عامًا، وجرف الثقافة المصرية وجعل دور مصر يتراجع ويقنع بأن يظل في ذيل الأمم، واستأجر النظام كتابًا يمتدحونه طوال الوقت، وصعدت الهيئات الثقافية أنصاف المثقفين الذين ساعدوا في إخفاق الثقافة، ولم يقدموا أدبًا حقيقيًّا وإنما هو شبق وإعجاب بكل ما ينتجه الغرب من نظريات أدبية تطبق بتعسف على الأدب العربي، بل لقد نال هذا الأدب من شرهم الكثير، ومن السهل أن يهاجمه متشاعر أو مدعي ثقافة..
طالما أن الوزير (حمش قوي) ويعادي الطغيان ولا يخضع له، وينحاز إلى المثقفين الثوريين في مؤتمرهم يشكو معهم من الأوضاع، ولنا أن نسأله: متى حدث الفساد المتراكم في وزارة الثقافة من دار الكتب التي عملت رئيسًا لها حقبة طويلة أيام المخلوع وقد نهبت المخطوطات وسرقت ودمرت، ومنها الرسالة للإمام الشافعي؟ وأين هو من قصور الثقافة التي صارت خرابات ينعق فيها البوم ولقد رأيت هذه القصور متهالكة رغم أنها أنشئت منذ عشر سنوات أو أقل، وماذا فعل مع فضيحة جريدة "القاهرة"؛ حيث أعلن رئيس مجلس إدارتها سعد عبد الرحمن، أنها توزع ألفي نسخة فقط برغم التكاليف الباهظة التي تنفقها عليها الوزارة من خزانة الدولة، وقد عرض هذا الرئيس أن مشكلة جريدة القاهرة لن تحل إلا بعزل الرفيق صلاح عيسى، وتمسكت أنت بالرفيق خشية أن يفتح عليك النار هو و"أناركيته".
ألا تنسى أيها الوزير الذي يشكو من التيار الديني الفاشي، أنك في عهد فاروق حسني ارتكبت الكثير من المخالفات- بحسب موظفي دار الكتب والوثائق القومية التي كنت ترأسها أيام "حسني" الوزير المسنود في العهد البائد- وهي كانت كفيلة بإقالتكما معًا لكن لم يتحرك أحد، بل صعدت لتكون وزيرًا للثقافة وليمثل امتدادًا لسياسات فاروق حسني التي جلبت الخراب على الثقافة في مصر ويكفي أن نعلم أنك تقدمت باستقالتك ثم عدت وسحبتها بسرعة لنكتشف أن الهدف من إعلان الاستقالة ثم العودة إلى ديوان الوزارة بسرعة لم يكن سوى ورقة لعب تتيح لك الحصول على إحدى جوائز الدولة (التقديرية) إذ لا يمكن لك قانونًا الحصول على هذا النوع من الجوائز وأنت تشغل منصب وزير الثقافة لكونك ترأس المجلس الأعلى للثقافة الذي يختار الفائزين بالجوائز وعليه كانت الاستقالة ثم العودة للوزارة!! وهذه القضية بالذات أكبر دليل على استشراء الفساد في منح جوائز الوزارة، الأمر الذي يعني ضرورة فتح هذا الملف الملغوم وسحب قيمة الجوائز ممن حصلوا عليها بالالتفاف على القانون والمجاملات.
أيها المتحولون ومدعو الثورية: لا تظنون أن الشعب ينسى مواقفكم، فالشعب الذي تتهمونه بالغباء والجهل ويسهل شراؤه بالزيت والسكر، هو أعلم بمكركم وخبثكم وضلالكم ويعلم بأنكم لا تثيرون الزوابع والقلاقل إلا للبحث عن مصلحتكم.