قد يتحير المرء مما يحدث على الساحة خاصةً مالي، ونرى أن حملة فرنسا العسكرية ضد القبائل العربية في شمال مالي ليست واضحةَ المعالم، خاصةً أنهم لا يتجاوزون- في أحسن الأحوال عشرة- آلاف نفس، ولن يقبل عاقل تبرير الرئيس الفرنسي "فرانسوا هولاند" قوله: "إنها تمت لحماية الرعايا الفرنسيين من المتشددين أو الإرهابيين"، لاسيما مع وجود شركات فرنسية وتاريخ استعماري، وقرار الحرب اتخذته فرنسا لوحدها ولم تشاور فيه أحدَا- أو هكذا يبدو- وهو تصرف مستغرب من دولة تنافح عن حقوق الإنسان في كل مكان، وقبل هذا تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، والمفاجأة أن فرنسا طلبت من دول الخليج تحمل نفقات الحرب لأنها ضد الإرهاب، والمفروض توجيه الطلب لجيران مالي قبل غيرهم، أو لمن له مصلحة مباشرة بما يحدث، ولا أتصور أن مجلس التعاون الخليجي سيقبل بالمشاركة في تمويل الحرب مهما كانت الأسباب.

 

 


فكرة الحرب ضد الإرهاب باتت قديمة وعفا عليها الزمن، حتى إن العبارة نفسها من كثرة الاستخدام فقدت معناها بريقها المؤثر، وإلا كيف نفسر تحرك الإعلام الغربي والمنظمات الدولية والحقوقية باسم حقوق الإنسان في قضية تطبيق الحد الشرعي على العاملة السيرلانكية في المملكة، رغم أنها قتلت طفلاً لم يتجاوز عمره أربعة أشهر؟! وكأنَّ الطفل العربي ليس له حقوق، والدول الغربية سكتت ولم توضح موقفها، بل من الممكن القول: إنها باركت الحرب دون إعلان ومن تحت الطاولة، وما ذكر لا يلغي تهديد جماعات الإسلام السياسي وخطورتها عربيا وغربيا، ولكن إرهاب الدولة يمارس يوميا في سوريا، وقد ذهب ضحيته أكثر من ستين ألف شخص، ولم تجرؤ دولة غربية على التدخل عسكريًّا.

 


الفرنسيون أذكياء ويفهمون قواعد اللعبة وربما ساعدتهم الظروف؛ فقد قام مجموعة من المتشددين باحتجاز رهائن في حقل غاز جزائري، وقيل: "إن ما قاموا به جاء كردة فعل على الحملة الفرنسية ضد مالي انطلاقًا من الحدود الجزائرية"، والسيناريو مقبول قياسًا على السوابق، لكن الاختلاف أن الإرهابيين في العادة يفجرون ويقتلون، وبعدها يعلنون وباعتزاز مسئؤليتهم عما وقع، واختار رأس من خططوا للعملية أسلوبًا جديدًا، وقال: "إن مجموعته قتلت 35 رهينة من جنسيات مختلفة"، والأرقام تزيد وتنقص من مصدر لآخر، والنتيجة أن أزمة الرهائن انتهت وتم تحرير 16 رهينة وأيضًا حقل الغاز بلا خسائر مادية، وأكدت المصادر الرسمية في الجزائر- السابعة في ترتيب دول النفط العربية- أنها قتلت أحد عشر مسلحًا بعدما قتلوا سبعة رهائن إضافيين من جنسيات أمريكية وبلجيكية ويابانية وبريطانية، ويظهر في التفاصيل إصرار فرنسا على إشراك الجميع في معاناتها الخاصة والخطأ وارد.

 


بالطبع مالي مهمة اقتصاديًّا لفرنسا وروسيا والصين، وفيها نصف الإنتاج العالمي من الذهب وثلث اليورانيوم المستخدم في تشغيل معامل فرنسا النووية، وروسيا والصين رفعت الفيتو لمواجهة التدخل العسكري في سوريا، والمعادلة الأخيرة سياسية ولا علاقة لها بالاقتصاد وحساباته؛ لأن المهم في سوريا هو موقعها الجغرافي والدول المجاورة لها، وهذه المسألة تقبل التأجيل والحلول المعلبة ما دامت أمور الجيران مستقرة، ولعب الاقتصاد دورًا أساسيًّا في حرب العراق سنة 2003م وفي تدخل حزب الناتو في ليبيا القذافي، وكلاهما من الدول العربية النفطية؛ فالعراق يأتي في المرتبة الثانية بعد المملكة وليبيا في المرتبة الخامسة، وما قتل في فلسطين نتيجة الاحتلال لا يقارن أبدًا بالرقم المستهدف في الحملة الفرنسية، ولم يتغير حال الفلسطينيين منذ عقود أو يتطوع أحد لمساعدتهم عسكريًّا، وشماعة حقوق الإنسان والإرهاب لا تحضر أو يتم التلويح بها- غالبًا- إلا إذا تقاطعت مع مصالح الدول الغربية، ولا بد أن ندرك أن السياسة في هذه الدول تتحكم فيها وتديرها شركات عابرة للقارات وأسماء موالية لها في دول العالم، والنصر الانتخابي لأي قيادة سياسية غربية يرتبط- أحيانًا- بحجم الدعم الذي يحصل عليه الاسم المرشح من هؤلاء، وبالترسانة الإعلامية المسخرة لخدمة أهدافهم.

 


بالإضافة إلى أن "الحركة الإسلامية" في مالي ومطالبتها بتطبيق الشريعة يعطي فرصة للغرب بالغزو العسكري بذريعة القضاء على الإرهاب، وهي التهمة "القديمة الحديثة" لكل من ينادي بالإسلام.

 


مالي تتقاطعها قبليات وإسلاميون.. والعملية العسكرية الفرنسية ستواجه مؤيدين لها في الداخل ومتعاونين عسكريًّا من الأفارقة الذين قد لا يكون لديهم القدرة على تحمل مصاريف مثل هذه الحرب إلا بدعمٍ من الخارج، وفرنسا رغم أنها أدخلت جيشها بقرار أممي وتأييد أوروبي- أمريكي، والغريب في الأمر دخول الجزائر الحرب الذي سيحرجها إسلاميًّا ويحملها كلفة مالية، وربما يُعرضها لاضطراب داخلي؛ ورغم ذلك فالأزمة متصاعدة، وفرنسا متخوفة من حرب طويلة تستنزف اقتصادها المتأزم أصلاً، وأوروبا لا يبدو أنها مهيأة لحرب استنزاف مع منظمات إرهابية تجيد حرب العصابات، ولديها مراكز تمويل دولي سواء من دول أو منظمات تتعاطف معها، ولا يلوح بالأفق كيف ستسير القضية وتداعياتها.

 


صحيحٌ أن مالي فقيرة اقتصاديًّا، لكن ما تخفيه أراضيها من موارد معدنية غنية بما فيها اليورانيوم، حافز أساسي لمبادرة فرنسا التشابك مع الأزمة، وهناك مخاوف من دول إفريقية أخرى كانت جزءًا من المجال الحيوي الأوروبي، وقد دخلت على خط وراثتها أمريكا ثم الصين، والتي أصبحت المنازع الأساسي على قارة تعتبرها مصدر موارد صناعاتها في المستقبل البعيد، وبالتالي قد تشتعل أكثر من حرب بالنيابة من أجل الثروات الهائلة.