اهتم الإسلام أيَّما اهتمام بمحو أمية المسلمين في الدولة الإسلامية الفتية، وضرب مثلاً رائعًا ناصعًا في مدى تقدير الإسلام لمحو الأمية، وقد وضح هذا في غزوة بدر عندما وضع الرسول صلى الله عليه وسلم محو أمية عشرة من المسلمين فداءً للأسير.
وبعد قيام ثورة 25 يناير 2011م، طالب الناس بمطالب عادلة تركَّزت حول العيش والحرية العدالة الاجتماعية، وكانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية 2012م، وما شابها من مشكلات حول معرفة الأمِّيّ بأبسط طرق ممارسة المواطن لحق اختيار ممثليه.
وشاهد الجميع الشبح الخطير المتمثل في عدم قدرة ملايين المواطنين الأمِّيِّين على معرفة كيفية التعبير عن أصواتهم في بطاقة الانتخاب، كما شاهد الجميع بعض الأمِّيِّين الذين استغلهم المال السياسي في قتل الناس وإرادة الوطن في ميادين الثورة أو في شارع محمد محمود أو ماسبيرو أو قصر الاتحادية.
إن تلك الأمِّيَّة جعلت الأمِّيِّين البسطاء الفقراء لا يدركون حقيقة تلك الاموال المسروقة من أقواتهم، ثم تُعطي لهم قروشًا منها لاختيار مُمَثِّلي الفساد في عهد مبارك.. لا يدرك بعض الأمِّيُّين أن هذه الرشاوى من أموالهم.
ويجب ألا يغيب عن أذهاننا مدى الارتباط العميق والتأثير التبادلي بين نجاح خطط التنمية في أي دولةٍ وبين نسبة الأمِّيَّة فيها.. إن تفعيل ونجاح خطط التنمية يتأثر بمدى نجاح الدولة في زيادة استفادة المواطنين من البرامج والخدمات والفرص التي تتيحها خطة التنمية.
إن عدم استفادة الجماهير المخاطبة بخطة وبرامج التنمية والخدمات التي تتيحها خطة التنمية، يعني ضياع تلك الجهود والأموال التي تنفقها البلد بدون طائل، ويمثل التعليم محورًا هامًّا في رفع معدلات التنمية في الوطن، كما يمثل التعليم من جهةٍ أخرى فائدة مزوجة للوطن والفرد، فكلما ارتفع مستوى التعليم كان المواطن أقدر على الاستفادة من الخدمات التي تقدمها خطة التنمية في الوطن، وعلى النقيض نجد أن الأمِّيَّة تمثل هدرًا لخطة الدولة، وعائقًا أمام استفادة المواطن من البرامج والخدمات التي تتيحها الخطة، فيقل عائد برامج التنمية؛ ما يعني الهدر لأموال واستثمارات الخطة دون طائل.
ومن نافلة القول، يجب أن يكون الرؤية المأمولة أن نصل خلال عشر سنوات إلى نسبة أمِّيَّة صفر، وأن نغير خلالها نظرتنا للأمِّيَّة بما يتمشى مع مشاريع وخطط التنمية في بلادنا والمتغيرات التي تجدُّ على الساحة الإقليمية والدولية.
إن القضاء على الأمِّيَّة يجب أن يكون مشروعًا قوميًّا لا يقل شأنًا عن المشاريع القومية في الاقتصاد، وقد أحسنت الجمعية التأسيسية للدستور الجديد عندما وضعت نصًّا مهمًّا يضع رؤية لحل تلك المشكلة، فقد نصت المادة (61) من الدستور على (تلتزم الدولة بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمِّيَّة وتجفيف منابعها لكل الأعمار من الذكور والإناث، وتتولى تنفيذها بمشاركة المجتمع خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور)، والجيد في هذه المادة أن الدستور يضع خطة زمنية عشر سنوات تلتزم بها الحكومات لوضع خطط وبرامج لمحو الأمِّيَّة.
وقد تقع الحكومات التالية في خطأ حسابات لو أننا تركنا تلك الخطط والبرامج دون سقف زمني محدد، وفي توجهنا لهذا المشروع القومي الهام، يجب ألا نستغرق كثيرًا من الوقت، فالوقت المتاح لمحو الأمِّيَّة ليس طويلاً، كما يجب ألا تؤجل كل حكومة عبء هذا المشروع لحكومات تالية؛ لأن التأجيل يعني تضخم وتراكم المشكلة، واستفحال أثرها والتأثير السلبي على مشروع النهضة الذي يجب أن يكون المشروع الجامع لجهود الدولة والمجتمع، وفي هذا الإطار اقترح تشكيل لجان موسعة لدراسة كلٍّ من:
1- طبيعة ومفهوم الأمِّيَّة في ظل عصر التكنولوجيا وعصر التكتلات.
2- أسباب تخلفنا في حل مشكلة الأمِّيَّة والاستفادة من الرصد المتأني للعوائق التي أفشلت خطط محو الأمِّيَّة في الستين سنة الماضية.
3- الرصد الجيد للجهات والمؤسسات العامة والخاصة التي يجب أن تسهم في هذا المشروع.
4- الدراسة لأدوار وهياكل هيئة تعليم الكبار، ودراسة العقبات التي واجهتها في تأدية دورها منذ إنشائها.
5- اقتراح التطوير اللازم إدخاله على هيئة تعليم الكبار، وتحديد الأدوار المطلوبة في هيئة تعليم الكبار.
6- أن تصبح أدوار هيئة تعليم الكبار قاصرة على الإشراف على تقديم البرامج وخطط محو الأمِّيَّة.
7- إنشاء هيئة مستقلة لتقويم المستفيدين من برامج محو الأمِّيَّة، ويوكل لتلك الهيئة وضع الاختبارات المطلوب اجتيازها للحصول على شهادة محو الأمِّيَّة، بالإضافة إلى الإشراف على تطبيق تلك الاختبارات ومتابعة نتائجها، ومنح الشهادات، فلا يعقل أن تتركز في جهة واحدة دور التقويم للخريجين ودور الإشراف على خطط وبرامج محو الأمِّيَّة وتنفيذها.
8- إنشاء هيئة مستقلة تتابع مدى نجاح هيئة تعليم الكبار وغيرها من الجهات المختلفة في تنفيذ خطط مشروع محو الأمِّيَّة في كل مرحلة من مراحل المراحل المشروع.
9- وضع خطة طويلة المدى لمدة عشر سنوات تتضمن مراحل قصيرة المدى كل منها سنتان على الأكثر لتنفيذ المشروع.
10- اقتراح الآليات والمؤسسات التي تقوم بالمتابعة والتطوير المستمر لخطط وبرامج محو الأمِّيَّة.
11- ضرورة الربط بين خطط وبرامج محو الأمِّيَّة وسوق العمل والعمالة المطلوبة في الدول العربية وعلى الصعيد الداخلي.
12- أن يراعي عناصر المرونة المطلوبة في الخطط والبرامج التكتيكية لمشروع محو الأمِّيَّة.
--------------
* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج