كان من أهم مميزات ثورة 25 يناير العظيمة سلميتها وعدم لجوء أي ممن شاركوا فيها للعنف وهذا ما شهد به العالم أجمع، فطوال أيام الثورة لم يروع أحد أو توقف وسيلة مواصلات أو يقتحم مبنى سياحي أو يطلق أحد المتظاهرين النار. وعندما هوجم بعض مقرات الحزب الوطني السابق تصدى الثوار الحقيقيون لهذا وأدانوه وكان شعارهم طوال أيام الثورة "سلمية.. سلمية"، وكان الثوار يتنافسون في حماية المنشآت والأفراد ويضغطون شعبيًّا وسياسيًّا لإسقاط نظام الظلم والطغيان والفساد والإفساد، وهو ما حدث بفضل الله.

وعقب الثورة ومع البدء في مسيرة التحول الديمقراطي وإعادة بناء ما أفسده النظام السابق بدء البعض يشعر بأنه لا وجود حقيقي له إلا في الفضائيات والندوات والمؤتمرات الصحفية وأن وجوده الحقيقي وسط الجماهير لا يتناسب بأي صورة مع وجوده الإعلامي والنخبوي. فعمد إلى تسفيه أي خيار شعبي فلم يفلح في تغيير قناعات الجماهير، فسعى ودعم إهدار تلك الإرادة الشعبية التي لم تأت به، ثم الآن نجده وبكل وضوح لا لبس فيه يعطي الغطاء السياسي والأخلاقي لاستخدام العنف ضد الإرادة الشعبية.

بل ويتحدث بلسان الجماهير ومطالبها متناسيًا عن عمد وقصد رفض الجماهير له في جميع الاستحقاقات السابقة، ويُسخر بعض المؤيدين له والمنتفعين منه ومن غيره للتسويق لأن ما يحدث هو ثورة ثانية، والأصعب أنهم لا يدينون العنف والقتل والخروج على كل القواعد الديمقراطية بل يبررون تلك الأعمال الإجرامية التي يرفضها كل الأسوياء في العالم. وحينما يدينون تكون إدانة إعلامية وفقط ولذر الرماد في العيون.

إن دعم دعوات الخروج على الشرعية واعتماد العنف والبلطجة السياسية والإجرامية كطريق للتغيير وفرض الرأي والوصاية على الإرادة الشعبية، هو طريق النهاية لمن يسير فيه بل ولمن يدعمه.
فالشعب أوعى من تلك القوى التي تغلب مصالحها الشخصية على مصالح الوطن وتتاجر بدماء أبنائه وتزايد على مصالحه وترقص على أشلاء ضحاياه.

ويعتمد هؤلاء على آلة إعلامية فاسدة مفسدة نتاج مال حرام لبعض قادة النظام السابق وحوارييه؛ تزيف الحقائق وتقلب الحق لباطل وتزين الإجرام وتسوق للعنف تحت ستار المفاهيم المغلوطة والمقلوبة، فمن يذهب ليهاجم ويحرق محكمة أو سجن أو مصلحة حكومية وهو يحمل السلاح والمولوتوف وتتعرض له الأجهزة المعنية يصبح شهيدًا ويجب أن يسقط النظام من أجله، وإذا أصيب يصبح النظام فاسد يواجه الثوار أصحاب الثورة الحقيقيين.

والسؤال الذي نتعفف عن ذكره ابتغاء مرضاة الله واحتسابًا لوجهه الكريم، ولكن ما دام الكيل قد فاض فلا بد من سؤاله ليعرف كل واحد قدره ومقداره: أين كان هؤلاء الثوار ممن استشهد في معتقلات الظلم والطغيان طيلة عشرات السنين؟ وأين هم ممن اعتقلوا لسنوات تفوق عمر البعض منهم؟ وأين هم من مداهمات أمن الدولة ومقراتهم الرهيبة وما كان يحدث فيها من تعذيب تشيب له الولدان؟ وأين هم من أول أيام الثورة في الميادين الحقيقية والمواجهات الدامية في جمعة الغضب وموقعة الجمل وغيرهما؟

وأين هم من المظاهرات الحاشدة التي كانت تدعو للتغيير واستقلال القضاء وغيرها من قضايا البلاد الحيوية في ظل قسوة نظام مبارك الدكتاتوري؟ وأين هم من المشاركات السياسية في كافة الانتخابات التي أجهدت النظام السابق وعرته وكشفت عورته، وأسقطت عنه ورقة التوت؟! ألم يكن كل ذلك وغيره من مقدمات وإرهاصات الثورة التي ضحى فيها المخلصون من أبناء مصر بدمائهم وأرواحهم وأموالهم وحرياتهم، بينما كان غيرهم يقاوم بالاتفاقات المشبوه مع النظام وزبانيته، ليتركوهم يعارضون معارضة مستأنسة ووديعة لا تؤثر في الشارع؟!

وفي تعالٍ غريب لا ينم عن حجمهم الحقيقي في الشارع المصري يرفض هؤلاء الحوار ويفرضون شروطًا تعجيزيةً لحضور الحوار، ويسوقون كذبًا وزورًا وبهتانًا أن ما يحدث هو ثورة للتأثير على بعض الشرائح السنية والتغرير بها وهو ما لن يحدث أبدًا.

فالجميع يرفض العنف والداعين له وداعميه، والتاريخ شاهد على كل شخص وكل قوة وعلى مواقفهم الثابتة والمؤرخة في ذاكرته التي لا تنسى ولا تخطئ في حكمها.

إن انتهاج بعض تلك القوى السياسية للعنف دعمًا أو إقرارًا أو عملاً هو مدارة لفشلهم السياسي الكبير ومحاولة إفشال غيرهم ولو على حساب الوطن وتناسى هؤلاء القيم والثوابت الأخلاقية الثابتة المستمدة من إسلامنا الحنيف وثقافتنا المصرية الراسخة.

وعلى الرغم من اتهام النائب العام لمن يسمون أنفسهم "البلاك بلوك" بأنها منظمة إرهابية وأمر بضبط وإحضار أعضائها، بعد إعلانهم عن تبنيهم لأعمال قتل وتخريب وتدمير وإحراق لممتلكات عامة وخاصة، نجد البعض يدافع عنهم مدعين أنهم شباب وطني غيور اضطرته الظروف لتلك الأعمال الإجرامية.

فهل كان ذلك سيكون هو نفس ردهم لو صدرت تلك الأفعال من أي فصيل إسلامي ولو بمجرد ارتداء قناع للوجه؟! أم كان سيتم توصيف ذلك على أنهم ميليشيات مسلحة وضرورة أن تحاكم عسكريًّا وهو ما حدث بالفعل من قبل مع فارق عظيم؟! فما حدث من قبل كان مجرد عرض رياضي ولم يكن عسكريًّا أو مسلحًا أو شهد أي اعتداء على أي شخص بأي صورة من الصور، وبالرغم من ذلك حوكم العديد عسكريًّا وقيدت الحريات وصودرت الأموال وانتهكت الحرمات في ظل تبرير لهذا الظلم من العديد من الإعلاميين والسياسيين الذين يبررون الآن أفعال "البلاك بلوك".

إن محاولة استدعاء العنف بأي صورة وأي شكل هو أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً وهو تجاوز لكل الخطوط الحمراء السياسية والاجتماعية بل والأمنية. ويضر بمصر وشعبها ومستقبلها وهو مقامرة خاسرة بمصالح الوطن وهو ما لن يسمح بحدوثه الوطنيون المخلصون لبلدهم وهم كثر بفضل الله، سواء من كان منهم في السلطة أم خارجها.

لذا فيجب على الجميع أن يتحمل مسئوليته أمام الله وأمام التاريخ وأن يتحلى بأكبر قدر من الحكمة والحنكة وتغليب مصالح الوطن عدم اتباع النهج الميكيافلي في تبرير الوسائل للوصول للغايات حتى ولو تصادمت مع الثوابت والأسس بل والقانون.

إن مصر أمانة في أعناق الجميع وعلى الجميع حمايتها وحماية مقدراتها من عبث العابثين الذين يريدون التضحية بمصر وشعبها ومصالحها من أجل الوصول لأهدافهم المشبوهة ولو على جثث أبنائها، بإقرارهم بالعنف وبإعطائهم الغطاء المحرم لمستخدميه. حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.