بعض الإخوة السلفيين الذين يمثلون قاعدة حزب النور، لهم بعض المواقف التي تثير تساؤلات. حرَّموا الخروج على مبارك، ثم لم يحرموا دعوة المعارضة للخروج على مرسي.

 

وقف حزب النور مع مرسي في انتخابات الإعادة للرئاسة، وفي نفس الوقت ذهب ثلاثة من أقطابه لأحمد شفيق في زيارة قيل إنها تضمنت ترتيبات سياسية لما بعد الانتخابات إذا فاز أحمد شفيق. شارك الحزب بفاعلية في إنتاج الدستور، وكان له دور في الحوار الوطني الذي دعت له الرئاسة بخصوص مشروع قانون الانتخابات، ثم وقف في مجلس الشورى ضد أحد نصوص القانون، وهذا كان قميص عثمان استغلته جبهة الإنقاذ لتخريب البلاد. وبعد توظيف جبهة الإنقاذ لأحداث البلطجة في بورسعيد للحصول على مكاسب سياسية، وهذا طبيعي من الجبهة. فوجئنا بحزب النور يعرض مبادرة تغطي بلطجة الجبهة وتخرق الدستور الذي شاركوا في إنتاجه.

 

في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس على خلفية الإعلان الدستوري الذي تم إلغاؤه. تم الاتفاق في هذا الحوار على مشروع لقانوني الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية قدمته الحكومة لمجلس الشورى. وقد تضمن القانون إلزام الأحزاب بوضع المرأة في المواقع الخمسة الأولى من ترتيب القائمة. وقد حضر الحوار أعضاء من حزب النور.

 

وعند التصويت على القانون بمجلس الشورى في جلسة الخميس 17/1/2013، صوت أعضاء مجلس الشورى المنتمون لحزب الحرية والعدالة لصالح مشروع القانون كما جاء من الحوار الوطني. لكن أعضاء حزب النور عارضوا بشدة إلزام الأحزاب بوضع المرأة في المواقع الخمسة الأولى بالقوائم بحجة أن هذا يمثل تمييزًا إيجابيًّا لصالح المراة. واقترحوا تعديل النص بحيث لا يلزم الحزب بترتيب معين للمرأة في القائمة.

 

وهذا الاقتراح مخالف لما أسفر عنه الحوار الذي اشتركوا فيه برئاسة الجمهورية. ولم يستجب المجلس لذلك الاقتراح، فانسحب نواب النور مع نواب أحزاب المعارضة. وكان لرئيس المجلس موقف رائع لم يحدث في تاريخ البرلمانات. إذ إنه أتاح مناقشة أخرى بجلسة السبت 19/1/2013 فصوت المجلس لصالح اقتراح حزب النور الخاص بالمرأة.

 

كان التصويت لصالح الاقتراح المقدم من حزب النور بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وبمثابة قميص عثمان لتعطيل مسيرة الانتخابات، إذ ثارت ثائرة جبهة الإنقاذ وأشعلوها حربًا وخرابًا في البلاد بحجة عدم احترام الرئيس وحزبه لأحد نصوص الحوار الوطني. وكنت أعتقد أن حزب النور سيكون لديه شجاعة الدفاع والوقوف جنبًا لجنب مع حزب الحرية والعدالة والرئاسة بعد مساندة موقفهم بخصوص التصويت على اقتراحهم. كان الدافع الأخلاقي يملي على حزب النور أن يعلن مسئوليته عن عدم احترام أحد قرارات الحوار.

 

تزامن رفض جبهة الإنقاذ للعملية السياسية، قتل البلطجية ببورسعيد لحوالي عشرين شخصًا على خلفية حكم المحكمة بإحالة 21 من القتلة لـ73 شخصًا في مباراة الأهلي والمصري العام الماضي. وحدثت محاولات لضرب منشآت مثل قناة السويس. لذلك أعلن الرئيس حالة الطوارئ في مدن القناة. واستغلت جبهة الإنقاذ تلك البلطجة في المكايدة السياسية. الجبهة وقفت مع البلطجية ومع المقتولين في نفس الوقت، تنادي بالقصاص لدماء شهداء نادي بورسعيد وتخلع البراءة للقتلة. وقفت في صفوف القتلة والبلطجية عند حكم المحكمة. المساومة بدماء الضحية ومناصرة البلطجي، استغلت الجبهة الأحداث وادعت أن المقتولين في بورسعيد متظاهرون. ضج ميدان التحرير في مظاهرات الجبهة بحالات الاغتصاب. هذا يبين أن معظم المتظاهرين بلطجية. هل هذا عمل سياسي؟ استغلت الجبهة الأحداث لخلط الأوراق والمتاجرة.

 

لقد تعدت جبهة الإنقاذ كل التقاليد السياسية في دول العالم، حيث وجدناها تدافع عن عصابات البلاك بلوك وتقدم لها المعونة القضائية والغطاء السياسي والإعلامي، يكفى أن نعرض هنا مشهد المظاهرات يوم الجمعة 1/2/2012 أمام قصر الاتحادية، أشار المراسل في قناة التليفزيون الأولى أن المشهد بدأ بمظاهرة سياسية من المعارضين، وعلى رأسهم خالد علي والفنانة تيسير فهمي ثم بدأت الاشتباكات بإلقاء المتظاهرين بالطوب والألعاب النارية على القصر، ثم اختلط المتظاهرون بالمتشردين وأطفال الشوارع وعصابات البلاك بلوك لتترك لها الساحة لضرب المنشآت ثم اختفت تلك الرموز السياسية وتركت خلفها العصابات لتدمر. ويكفي أن نقول إنه وفقا لرواية مراسل قناة (الحياة) يوم الجمعة 1/2/2012 تعدت عصابات البلاك بلوك على قصر رئاسة الجمهورية بقنابل المولوتوف، والألعاب النارية الموجهة مباشرة على أشجار القصر وضرب أعمدة الإنارة بالقصر. وقالت لميس الحديدي أثناء تلك الأحداث في قناة سي بي سي إنه يجب ألا ننظر إلى ما يفعله هؤلاء المتظاهرون من الضرب والتدمير بل يجب أن ننظر إلى الأسباب التي أدت لذلك المشهد، أي أنها تقدم التبرير المبطَّن للبلطجة.

 

كانت ردود أفعال جبهة الإنقاذ تنحصر في التوظيف والاستفادة السياسية لتلك الأحداث. فهل الأجدر بحزب النور أن يقدم مبادرة تمثل غطاءً سياسيًّا لبلطجة جبهة الإنقاذ أم مبادرة وطنية لمجابهة العنف، أيهما أولى؟.

 

تلك البلطجة لجبهة الإنقاذ لتعطيل الانتخابات والدستور تستوجب من حزب النور أن يدافع عن الدستور خاصة مع مشاركته في الجمعية التأسيسية وفي إقرار قانوني الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية، لا أن يتملَّص مما شارك فيه. كان عليه أن يقف في خندق واحد مع حزب الحرية والعدالة يدفع ويُفَنِّد أحاجيج جبهة الإنقاذ. كان الأولى بحزب النور أن يتقدم للمجتمع ويعلن براءة الرئيس من خرق ومخالفة النص الخاص بالمرأة المتفق عليه في الحوار الوطني، وأن حزب النور هو السبب في مخالفة ذلك النص، كان عليهم أن يبرئوا ساحة الرئيس مرسي من تلك المخالفة، وما زال ذلك ممكنًا فهل يفعلون؟ نرجو أن يحدث.

 

بدلاً عن تلك المواقف الأخلاقية المطلوبة فوجئت بحزب النور يتقدم بمبادرة تتماهى مع عروض غلاة جبهة الإنقاذ الذين يقفزون على دماء المصريين في بورسعيد وغيرها. تضمنت مبادرة حزب النور إزاحة النائب العام، وتعيين نائب عام من بين ثلاثة يرشحهم المجلس الأعلى للقضاء. كما تضمنت تلك المبادرة تعديل فوري للدستور، وتشكيل وزارة ائتلاف وطني.

 

هذه المبادرة من حزب النور تتعارض وتتصادم مع صريح الدستور الذي شاركوا في إنتاجه.

 

لقد قضت المادة (236) على نفاذ كل ما ترتب على الإعلانات الدستورية من آثار في الفترة السابقة. يلاحظ أن تعيين النائب العام من آثار الإعلانات الدستورية، وبالتالي تم تحصينه بتلك المادة في الدستور، كما نصت المادة (173) على أن "يتولى النيابة العامة نائب عام بقرار من رئيس الجمهورية بناء على اختيار مجلس القضاء الأعلى. وذلك لمدة أربع سنوات، أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أقرب ولمرة واحدة طوال مدة عمله".

 

وهذا يعني أن النائب العام سيظل بحكم الدستور لنهاية فترته 4 سنوات. والدستور لا يعطي لأي جهة إقالته، بما في ذلك رئيس الجمهورية أو مجلس القضاء الأعلى. كما أن يد الرئيس مغلولة في اختيار النائب العام، حيث إن الرئيس يلتزم فقط بتوقيع قرار تعيين النائب العام وفقًا لاختيار مجلس القضاء الأعلى، ولا يعطي للرئيس حق الاختيار من بين مرشحين. أي أن فكرة اختيار الرئيس لنائب من بين ثلاثة مرشحين مخالف للدستور.

 

أرجو أن يلاحظ حزب النور أن تلك المبادرة تعطي البلطجية الذين خرجوا للقتل بحجة ذكرى الثورة، ملاذًا آمنًا للهروب من التخريب الذي حاق بالوطن جراء ما فعلوا في الذكرى الثانية للثورة. كنت أتوقع من حزب النور أن يطرح مشروعات قوانين تجرم الخروج عن القانون وتجرم التخريب وتجرم أعمال الحرق والتخريب وتقترح ميثاقًا سياسيًّا حول تجريم الغطاء السياسي الذي تتيحه جبهة الإنقاذ لعصابات البلاك بلوك.

 

هذه المعالجة المطروحة بمبادرة حزب النور لموقع النائب العام تترك البلطجة ولا تدعو لمقاومتها أمنيًّا وسياسيًّا بل تفتح الباب واسعًا أمام العودة لنقطة الصفر وانهيار الدستور وقانون الانتخابات رغم مسئولية حزب النور في إنتاج الدستور. كما أن تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية بخصوص موقع المرأة في القوائم الانتخابية كان الشرارة التي استغلتها جبهة الإنقاذ لتحقيق مآربها. فهذه المبادرة تفتح الباب لدخول البلاد في المجهول، نرجو أن يتأمل حزب النور مضاعفات تلك المبادرة الكارثية.

------------

* كلية التربية جامعة سوهاج.