الصورة مساء الجمعة أمام قصر الاتحادية هي الأكثر تعبيرًا عن خطة وسلوك ما يسمى بجبهة الإنقاذ.. عدد من الشباب يرفعون علم مصر ويلوحون به، بينما يقوم من حولهم بمحاولة اقتحام القصر، ويعتلي آخرون سوره لإلقاء قنابل المولوتوف فيه، والمرتزقة من الإعلاميين والسياسيين يوفرون مظلة لهذه الجريمة ولغيرها حين يتكلمون عن "متظاهرين" يحاولون اقتحام القصر أو يعتدون على مقر لمحافظة أو قسم لشرطة أو مبنى لمديرية أمن أو يقطعون طريق.
وتلك بالضبط هي خطة ومسلك جبهة الإنقاذ ؛ حرق مصر مع رفع لافتات إنقاذها، وممارسة العنف تحت مظلة التظاهر، والانقلاب على الشرعية المنتخبة بدعوى تكريس الديمقراطية، وإلغاء إرادة الشعب بزعم النضال من أجل استعادتها.
ومع يقيني بأن العناصر التي تتشكل منها هذه الجبهة تستاء من استدعاء نصوص القرآن الكريم في مخاطبتهم أو التحدث بشأنهم وتعتبر ذلك توظيفا للدين في النزاع السياسي، فإن نصًّا قرآنيا ظل يجول بخاطري كلما استمعت إلى قيادات هذه الجبهة وتابعت مواقفها.. هذا النص هو قول الله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد* وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) (البقرة).
جال هذا النص بخاطري مع علمي بأن غالبية الشعب المصري لا يعجبها منطق قيادات الجبهة ولا ترضى عن مسلكهم، وهذا ما أكده الاستطلاع الذي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC حول مدى شعبية جبهة الإنقاذ وتمثيلها لمطالب الشعب المصري، والذي انتهت نتائجه إلى أن 82 % من الشعب المصري ينبذونها، ويرون أنها تمثل بالوقائع خرابًا لمصر.
لقد كانت جبهة الإنقاذ حاضرة بخطابها وخططها ومسالك أعضائها أمام الاتحادية وفي البؤر التي شهدت عنفًا في جميع محافظات مصر، وكان قصر الاتحادية هو البؤرة الأكثر وضوحًا لهذا الحضور ؛ لأن أعين قادتها ومن يدورون في فلكهم معلقة بهذا القصر، ومن الواضح أنهم على استعداد تام لحرقه، بل لحرق البلد بأسره في سبيل إقصاء الرئيس المنتخب.
ولهذا لم أستغرب حين تبين من معاينة النيابة وجود حرائق شديدة للغاية في عدد من أرجاء القصر, حتى إن بوابة الدخول رقم "4" قد احترقت بصورة شبه كاملة, علاوة على تحطم أكشاك الحراسة ورخام أرصفة القصر والحديقة الملاصقة لسوره.
وليس يعنيني استياء المنتمين إلى هذه الجبهة من استدعاء الآيات القرآنية التي تضمنتها هذه السطور والتي قال فيها قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: إنها قد نزلت في كل مُبْطن نفاقًا أو كذبًا أو إضرارًا وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ؛ فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قومًا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصَّبر.. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيها الناس، إنما نأخذكم
بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيرًا أمّناه وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمّنه ولم نصدّقه، وإن قال إن سريرته حسنة.
وجبهة الإنقاذ لم تظهر للشعب المصري إلا الانقلاب على الشرعية المنتخبة، وإلا تغطية العدوان على مقر الرئاسة للنيل من هيبتها، وإلا الرفض للحوار والإصرار على توفير الغطاء لمن يمارسون العنف، ولهذا أثق أن الشعب سيأخذ هذه الجبهة بما ظهر من أعمالها، فقد أثبتت الثورة المصرية أن هذا الشعب يمهل ولا يهمل، ويوم الانتخابات الذي تخشاه الجبهة لناظره قريب.
---------
* وكيل كلية القرآن الكريم- جامعة الأزهر.