الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه واهتدى بهداه، وبعد؛ فقد تحدث إليَّ عدد من الإخوان والمثقفين والإعلاميين، يسألونني الرأي فيما يُنسب إلى بعض الشيوخ من الإفتاء بقتل بعض رموز المعارضة، واعتبار مظاهراتهم ومطالبهم التي يرفعونها نوعًا من الخروج غير المشروع على الإمام، يستوجب القتل، وهو ما ذكرني بكلام مشابه طرحه أحدهم في آخر عصر الطاغية المخلوع حين أهدر دم الدكتور البرادعي والشيخ القرضاوي، وقد رردتُ في حينه على هذا الكلام الذي لا يستند إلى فقه صحيح وفهم مستقيم للنصوص الشرعية، وهو ما أرى أننا بحاجةٍ لإعادة بيانه وتوضيحه، فأقول وبالله التوفيق:
يستدل أصحاب هذا القول ببعض الأحاديث النبوية، ومنها ما أخرجه الإمام مسلم في كتاب: الإمارة، باب: الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ 3 / 1472 رقم (1844) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفيه: "وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ"، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: "سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي".
ويستدلون كذلك بما أخرجه مسلم في باب: حكم من فرَّق أمر المسلمين وهو مجتمع 3/1479 رقم (1852)، وفيه: عَنْ عَرْفَجَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ (أي شرور وفتن)، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ". وفي رواية: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ".
وقد رأيتُ من الواجب عليّ وعلى أهل العلم ألا يسكتوا على هذا الاستدلال الخاطئ، وأن يبيِّنوا الحقَّ للناس ولا يكتموه، عملاً بما أوجب الله على أهل العلم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾، وحتى لا يسيءُ مثل هذا الفهم المغلوط إلى علماء الإسلام.
فهذا التوصيف والاستنباط في غاية الخطأ، إذ معنى الأحاديث المشار إليها بوضوح: إذا اجتمعت الأمةُ على كلمةٍ واحدة في الحق، ورضي الناسُ حاكمَهم، وجاء أحد من الناس ينازعه وينازعهم، ويدَّعي لنفسه أنه هو الحاكم، ويحشد أنصاره الذين يحملون معه السلاح في الخروج على الأمة وحاكمها الشرعي فإنه يُقْتَل، درءًا لشره ووأْدًا للفتنة التي يريد أن يبعثها.، وفعله هذا هو المنازعة المقصودة في الحديث، وهو التنازع المؤدي إلى فشل الأمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
وهذا المعنى قد جاء في أحاديث كثيرة، تدعو إلى الوفاء ببيعة الحاكم والصبر عليه إذا حصل منه جور أو ظلم، وعدم الخروج بالسيف عليه ما لم يأت كفرًا بواحًا لا تأويل له، ولكنها تتيح للأمة أن تسعى في تغييره بالوسائل المشروعة إذا لم يستجب للنصيحة، ولم يَعْدِل عن المنكر الذي يأتيه، باعتبار الأمة هي مصدر الشرعية لحكمه، وهي صاحبة الحق الأصيل في بقائه أو رحيله.
ومن هذه الوسائل المشروعة ما استحدثته الأمم من انتخابات واستفتاءات، وما قررته الدساتير والقوانين من مظاهرات وعصيان مدني سلمي ونحوها، ما دام ذلك كله يتم بعيدًا عن العنف وحمل السلاح، فإن لم يستجب الحاكم للنصح والإرشاد جاز للأمة أن تقوم بعملية الخلع والاستبعاد له من خلال الوسائل المشروعة التي ذكرناها من غير استخدام للعنف ولا حمل للسلاح، وهذا ما فعلته ثورة الخامس والعشرين من يناير التي خلعت الطاغية المستبد بعد أن أصمَّ أذنيه وأغمض عينيه أمام كل مطالب الأمة وأصرَّ على تزوير إرادة الأمة والبطش بكل من يدعو للإصلاح، وقد كتبتُ في هذا المعنى مقالاً أثناء الثورة نشره موقع إخوان أون لاين وغيره بعنوان (مشروعية الثورة الشعبية على الظلم).
فإذا خرج مَن يرفض الحاكم الشرعي وينصب نفسه بدلاً منه ويحشد معه طائفة من الناس تحمل السلاح وتخرج على الأمة وأرادوا الإفساد في الأرض وجب قتالهم، وهم الذين يُسَمَّوْن (البغاة).
فهل يدخل في البغاة المعارضون السياسيون أو ما يعرف في هذه الأيام بأحزاب المعارضة وحركات الاحتجاج؟
يُدرك مَن له أدنى إلمام بالشريعة ومقاصدها أنه لا يدخل في البغاة مَنْ يُسَمَّوْن بالمعارضين من الأفراد أو الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة لنظم الحكم، ولا من ينصح، أو يوجِّه، أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، سواء وافق الإمام على قيامه بذلك أو لم يوافق، فذلك من النصيحة الشرعية المأمور بها، وهي سبب من أسباب خيرية هذه الأمة، وليس لأحد كائنًا من كان أن يمنع أحدًا من التعبير عن رأيه، طالما لم يخرج على الناس شاهرا سيفه وسلاحه.
بل أوجب الإسلام نصيحة الحاكم والمحكوم، واعتبر ذلك صلب الدين، ففي صحيح مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: "لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
ولم يزل ذلك دأْبَ كثير من الصحابة والتابعين وأهل العلم على مرور الأيام وتعاقب الدول، إذ مارس كثير منهم هذا الواجب، فنصحوا الولاة والأمراء، وجهروا أمامهم بالحق، وعارضوهم في كثيرٍ مما أبرموا.
ولذلك فلا بأسَ من معارضة الحكام، بل يجب ذلك إذا أخطأوا، ويجب تنبيههم ونصحهم والإنكار عليهم فيما خالفوا فيه أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ضيعوا فيه مصلحة الأمة، أو قصروا في حماية الأوطان، أو بددوا ثروات الأمة، أو أساؤوا للناس، أو غير ذلك من المنكرات التي قد تدفعهم إليها الحمية لآرائهم والتعصب لوجهات نظرهم مع ثبوت خطئها وفسادها، والقيام بهذا الواجب هو لون من ألوان التعاون على البر والتقوى.
نعم ينبغي أن يتم ذلك من غير إهانةٍ لهم، أو تطاول عليهم، أو خروج بالسيف عليهم أو احتشاد لقتالهم، فإن الأمة إذا تقاتلت وخرج بعضها على بعض بالسيف، كانت فتنة عمياء دهماء لا يفرق الناس فيها بين الحق وبين الباطل، والأفضل أن يكون ذلك سرًّا إذا كان الوصول إلى الحاكم ممكنًا، وكان نصحه متيسرًا، وكان قبوله للنصيحة مرجوًّا، لما رواه أحمد عن هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَح لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ"، وذلك ما فعله أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا.
لكن لم يمنع الإسلام من إعلان هذه النصيحة متى كان الخطأ شائعًا والضرر واقعًا على العامة، بل أوجب الإسلام إعلان النصيحة والإنكار على الظالم إذا تجاوز حدود الشرع في تأديب المخطئين، ففي صحيح مسلم: عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ (يعني يعذبون بذلك) فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ (يعني تأخروا في دفعه أو ماطلوا في ذلك). فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا"، على أن هشامًا لم يكتف بهذا الإنكار العلني، بل ذهب إلى الأمير الذي فعل ذلك فنصحه فانتصح، ففي رواية عند مسلم أيضًا: وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا.
لكل ما سبق فإن ما تفعله بعض القوى السياسية والوطنية من التظاهر السلمي بأسلوب سلمي حضاري راقٍ أقرته المواثيق الدولية والدستور المصري لا يمكن إدراجه بحال من الأحوال في مفهوم الخروج على الحاكم أو المنازعة التي تبيح إهدار الدم.
كيف وقد نهت الشريعة عن السلبية وحذَّرت من الجبن عن إعلان الرأي الذي يرى صاحبه أنه من الحق، فقد أخرج أحمد وغيره بأسانيد صحيحة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلاَ يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ".
ولم يزل أهل العلم يعظِّمون العلماء الناصحين الذين اشتهروا بالجرأة في وعظ الحكام والسلاطين، بل وُصِف العز ابن عبد السلام بسلطان العلماء لمواقفه القوية الرائعة من أمراء المماليك الذين اضطروا للخضوع لما نادى به حين رأوا صدقه وجرأته ودعم جماهير الأمة له، وقد أخرج أحمد والبزار وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الْظَالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ؛ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُم"ْ ومعنى (فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ) أي استوى وجودهم وعدمهم.
وحتى لو أن القائم بنصيحة الحاكم أخطأ في حقه وأساء إليه بعبارات مسيئة فلا يبيح الإسلامُ أن تبلغَ عقوبتُه حدَّ قتله، أو الدعوةَ لقتله، فالوحيد الذي يستوجب سبُّه القتلَ هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحكمُ من خصائصه، وليس لأحدٍ من الأمة كائنًا مَنْ كان أن يجعلَ لنفسه أو أن يجعلَ الناسُ له مثلَ ما كان لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام، بحيث يُعَدُّ سَبُّه مُوجِبًا لقتلِ السابّ، حتى لو كان الصديقَ أبا بكر رضي الله عنه أفضلَ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد، وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم والذهبي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: مَا الَّذِي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: أَكُنْتَ فَاعِلاً لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لاَ وَاللَّهِ مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فهذا واضح من الصديق رضي الله عنه في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بقتل مَنْ يسُبُّه أو يُسِيء إليه، وعدمُ جواز ذلك لأحدٍ من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أيًّا كانت رتبتُه ومكانتُه.
ولا يعني هذا إطلاقَ العَنان للناس ليسُبَّ بعضُهم بعضًا، أو ليتجرأَ العامَّة على أُولى الأمر، وتقتحمَ الجماهيرُ أعراضَ الحكام وأصحابَ السلطان، كما يفعل كثير من السياسيين والإعلاميين ويتابعهم بعض الشباب، بل تتكفل الأحكامُ الشرعيةُ والنصوص القانونية بردعِ كلِّ مَنْ يعتدي على أعراض الناس، أو رميهم بالإثم والبهتان، لكن غاية الأمر: أن السب أو الشتم- وإن كنا ننكره- لأي شخص- فضلاً عن الاعتراض على أفعاله والمعارضة لسياساته- لا يصح أن يكون سببًا لقتله أو للدعوة إلى قتله على الإطلاق، سواء كان المعتدَى عليه من أشراف الناس أو سُوقتهم، رئيسًا كان أو ملكًا أو زعيمًا أو شخصًا عاديًا، ولا يصح أن تتضمن الدساتير والقوانين الحاكمة نصوصًا تلحق الزعماء بالأنبياء، بَلْهَ أن تتضمن نصوصًا تلحقهم أحيانًا بالله عز وجل، وتجعل لذواتهم من التقديس ما لا يليق إلا بالله وحده، والله أعلم.
لكن ماذا لو تجاوز المتظاهرون واختلط بهم البلطجية وحاملو السلاح وشجعهم على ذلك بعض السياسيين والإعلاميين، وتمَّ الاعتداء على الأفراد أو المنشآت أو الممتلكات العامة أو الخاصة؟ هذا ما نجيب عنه في المقال القادم بإذن الله.