خُلق الإنسان من مادتين.. مادة طينية سفلية "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ"(المؤمنون: 12) ونفخة علوية ربانية " ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ"(السجدة: 9) .. فإن شئت فقل بدن وروح أو جسم وقلب.

وطبيعة الإنسان أن تعتريه عوارض تذهب بصحته فتضعفه.. وهذه العوارض تعترى بدنه وقلبه على حد السواء وتسمى أمراض.. فهناك أمراض حسية تصيب الجسم وتضعف البدن، وهناك أمراض باطنية خلقية تصيب القلب والروح.

 

مريض البدن قريب من الله ففي الحديث القدسي "أما علمت أنك لو زرته لوجدتني عنده" (مسلم: 2569)، بينما مريض القلب تصحبه الشياطين.

 

 

مريض البدن يؤجر بمرض بدنه "ما يصيب المؤمن وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته" (مسلم: 2573).

 

بينما مريض القلب لا ينفعه مرضه "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (الشعراء: 88- 89).

 

مريض البدن لو مات بمرضه لكان شهيدًا مرحومًا بإذن الله.. ومريض القلب لو مات على حاله "وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ" (التوبة: 125).

 

والله تعالى ما جعل داءً إلا جعل له دواء وشفاء.. وورد ذكر الشفاء في القرآن 6 مرات، منها مرتان اختصتا بالشفاء من مرض البدن "فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ" (النحل: 69) "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" (الشعراء: 80)، بينما بقية الآيات دارت حول الشفاء الروحي والقلبي "وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ" (التوبة: 14) "قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء" (فصلت: 44) "قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ" (يونس: 57) "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" (الإسراء: 82).

 

ولا يدل على خطورة مرض القلب بالنسبة لمرض البدن شيء مثل حديث "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (مسلم: 91) فذرة مرض من أمراض القلوب أصغر من أدق جرثومة من التي تصيب بدن الإنسان قد تفتك بعمل الإنسان فتحبطه فيحرم من دخول الجنة أبدًا.

 

وأعجب العجب هو تعامل الناس مع أمراض البدن وأمراض القلب.. يمرض الإنسان في بدنه فيبادر بالكشف وزيارة الأطباء وإنفاق المال والجهد والوقت في سبيل شفاء بدنه ولا يجد مانعًا من تجرع أكثر الأدوية مرارة والخضوع لأشد العمليات إيلامًا في سبيل الشفاء.. بينما إذا مرض قلبه ربما لا يشعر ولا يهتم بزيارة شيخ مربٍ أو الخضوع لبرنامج علاجي، ولا يرى الأمر يستحق بذل جهد أو مال أو مزيد مجاهدة في سبيل التخلص من مرض القلب والروح.

 

يمرض الإنسان في بدنه فيزوره الناس ويعودونه وينصحونه ويساعدونه على التداوي وتنفيذ تعليمات الأطباء ولو كان ذلك على خلاف هواه.. بينما يمرض قلبه فقل أن تجد له ناصحًا وربما يعلم أقرب المقربين بما فيه لكنهم لا يصارحونه ولا يساعدونه على العلاج.

 

يمرض الإنسان في بدنه فيتساءل الناس قبل الاقتراب منه عن نوع مرضه: هل هو معدٍ؟ ولو كان فيه احتمال عدوى لاتخذوا إجراءات احترازية حتى لا ينتقل المرض إليهم.. بينما تجد الناس يختلطون بغير مبالاة بانتقال أمراض القلوب رغم أنها أشد عدوى من غيرها وصدق الشاعر:

 

ولا تجلس إلى أهل الدنايا   ...   فإن خلائق السفهاء تعدي

 

فما الحل مع أمراض القلوب؟؟

 

أولاً: يجب أن يأخذ الإنسان مناعة ضد أمراض القلوب: ولا يكون ذلك إلا بقراءة القرآن الكريم ودوام تمريره على القلب فقد قال الله تعالى "قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ" (يونس: 57) وشفاء القرآن لمرض القلب يكون بتبين النموذج المثالي للقلب السليم فيقيس الإنسان نفسه عليه ويتنبه لما عنده من خلل وزلل فيسارع للعلاج قبل انتشار الداء.

 

ثانيًا: أن يبادر بالكشف الدوري: فكما أن الكشف الدوري على البدن يكشف الأمراض في وقت مبكر فيسهل علاجها.. كذلك القلوب تحتاج لكشف دوري عليها ولا يكون ذلك إلا "بالمحاسبة" الدائمة والمستمرة للنفس وقياس معدل أدائها في العبادات وتفاعلها مع الطاعات وغيرها من بنود المحاسبة التي تكشف التقصير والخلل.

 

ثالثًا: أن يلجأ لشيخ مربٍ: فإذا وجد في نفسه خللاً لا يستطيع معالجته بنفسه أو معصية لا يستطيع الإقلاع عنها بجهده أو طاعة لا يجد في نفسه قوة على مكابدتها فعليه باللجوء للشيخ المربي فإنه للقلوب كالطبيب بالنسبة للأبدان.. وعلى قدر سعة علم الطبيب وتجربته وخبرته يكون الشفاء متوقعًا، وكذلك بالنسبة للشيخ المربي كلما كان في العلم أوثق وبالربانية أكثر تحققًا كان الشفاء على يديه بإذن الله تعالى.

 

فاهتم- أيها الأخ المسلم- لأمر قلبك فهو محل نظر الله تعالى "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (مسلم: 4651)، واسأل الله العون والهداية فإن القلوب بيديه والأمر كله صائر إليه.

 

imhelal@gmail.com