إنَّ من كوارث التاريخ البشري أن نرى أقوامًا تهرول إلى ميدان التحرير؛ ومنذ عشرات الأيام يحتفلون بالثورة المصرية وهم لم يعرفوا الثورة إلا من الشاشات والإعلام كباقي دول العالم، لم شاركوا في جمعة ولا جماعة، ولم يقفوا في التحرير بعض ساعة، بل كان بعضهم يتهم الثوار بالخيانة للوطن والحاكم بأمر أمريكا، وهؤلاء بلا خجل قامت الثورة لتوقظهم، فاستيقظوا بعدما انتهت لياليها، وراحوا كما تقول العرب في الأحمق المتأخر ينشدون شعرًا في زيل القافلة، وهناك أقوام آخرون يحتفلون بالثورة والواقع يقص علينا أنهم كانوا يستحون من النظام السابق ويداهنونه؛ والآن يدعون الزعامة والفتوة، وهناك من كانوا أحزابًا ولكن من جلد مطاط، مع كل ضغطة لهم شكل؛ والآن يتقلدون سيوف العزة والكرامة، وهم من علَّم الناس الذل والمهانة؛ وبيع الوطنية لتجار الرقيق ولصوص الشعوب، كل هؤلاء خرجوا ليحتفلوا بالثورة التي لم يصنعوها.
ليت الأمر يتوقف عند الاحتفال للمتطفلين على الثورة هؤلاء ولكن في الحقيقة أنهم متطفلون لا أخلاق لهم؛ دخلوا العرس من ظهر البيت، ومزقوا حرمة المكان، وهتكوا أستاره، ولا تجد لهم تسمية إلا بلصوص الفرح، هؤلاء هم ثوار اليوم، هؤلاء هم من يدعون الوطنية اليوم، هؤلاء من باعوا مصر أمس وأتوا اليوم ليشعلوا فيما بقي منها، كالكلب الذي ولغ في إناء، فلا مرقًا بقي، ولا إناء طهورًا.
إن هؤلاء لا يحاربون الرئاسة ولا الرئيس ولا الإخوان، وإنما يحاربون الإسلام، هم ينفذون مخطط الاستعمار الجديد، الاستعمار الناعم الذي يحتل البلاد، وهو جالس في بلاده وراء المحيطات، وما دام هناك في الأوطان خونة ومرتزقة؛ فعلام يتعب نفسه ويأتي بجنوده الجرارة؟!!! فهذا شيء مكلف ماديًّا ومعنويًّا، ولكن أسهل له أن يشتري عبيدًا من الوطن نفسه؛ يحركهم كيف يشاء، فرقة في الفضائيات وفرقة في المصالح والأعمال، وفرقة في المجتمع تبث فيه الخراب وتنشر الخوف؛ حتى يظل هذا المجتمع مرتعدًا خائفًا بلا عمل ولا تقدم ولا نهضة، وقد تطول به حياة الخوف فيترحم على أيام ذله الآمن، وأيام عبوديته الأولى.
كل هذا وغيره مما زرعه أمثال جبهة الأنقاص الوطني، التي تدعي الوطنية كما ادعى ابن سلول الإسلام، ومن عجائب الثورة المصرية أن الفلول باتوا ثوارًا، كاللص الذي أوشك الناس على الإحاطة به فخدعهم بأنه واحد منهم يبحث عن لص جرى من هذه الناحية، فما كان من الحمقى إلا أن هرولوا خلف بعضهم بعضًا وتركوا اللص يشرح لهم كيف هرب اللص.
إن شر البلية ما يضحك، وإن كل وطني يبكي على ميدان التحرير الذي سلبه اللصوص، حين يراه يئن من عفن الخيام المنصوبة فيه اليوم، إن قتلة الثوار الآن في التحرير ينادون بإسقاط النظام، النظام الذي هو من نسج أكفان الشهداء، إن من بكى على مبارك يوم خداعه هو الذي في التحرير اليوم، إن من قاد الحملات لأحمد شفيق هو من في التحرير اليوم، إن من لا يعرف حق الشهداء وحق مصر هو من في التحرير اليوم، إن أموال الشعب المنهوبة ظلمًا توزع على البغايا والبلطجية على بلاط التحرير الطاهر، إن الأرض التي احتضنت أبناءها المخلصين يوم تنحى مبارك تلعن كل من فوقها الآن، ليس الثائر الأول كالثائر الثاني، وليست ليالي القيام كليالي التحرش، وليس الرجال كأشباه الرجال، وليست النائحة الثكلى؛ كالنائحة المستأجرة.
-------------------
مدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج