* استهلال:

 

من معالم الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائدًا في نظم الحكم السابقة في مصر، الهوة الشاسعة بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، وهذا يخالف أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، فعلى سبيل نجد أحد العاملين يحصل على دخل شهري لا يتجاوز 100 جنيه في حين أن آخر في نفس الوحدة الحكومية يحصل على أكثر من مليون جنيه شهريًّا، فالأول يشقى ويعيش حياة ضنكًا والآخر يعيش مترفًا ومنعمًا ولا يؤدي ما عليه من حقوق مشروعة للوطن، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول: "....... إنما يشقى الفقراء بصنيع الأغنياء....." الحديث.

 

ولقد أدى هذا الظلم والتفاوت في الأجور بدون مبرر موضوعي إلى مظاهرات عارمة من للفقراء والمساكين والمعوزين ومن في حكمهم، قادت إلى ثورة كان من مطالبها تحقيق العدالة الاجتماعية وتحديد الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، وهذا حق مشروع لهم ومن مسؤولية ولى الأمر تحقيق مطالبهم.

 

ولقد استجابة حكومة الثورة إلى وضع مشروع قانون لتحديد الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، وقدم إلى مجلس النواب السابق، ثم تم عرضه من جديد على مجلس الشورى القائم لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإصداره، وبدأت التيارات السياسية المختلفة وكذلك أهل الاختصاص ممن يعنيهم الأمر إبداء رأيهم في مـشروع القانون بين مؤيد ومعارض كل حسب هويته وأيديولوجيته الخاصة، ولفقهاء وعلماء الفكر الاقتصادي الإسلامي أيضًا لهم رؤية وفقًا لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

 

* تساؤلات مثارة حول مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور

 

لقد أثير حول مشروع القانون المعروض على مجلس الشورى العديد من التساؤلات من عموم الناس، حسب استطلاعات الرأي، منها على سبيل المثال ما يلي: 

 

  هل يحقق مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور العدالة الاجتماعية المنشودة؟ 

 

  هل يحدث مشروع القانون خللاً في هيكل الأجور في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص والمؤسسات الأخرى؟

 


  هل يطبق القانون على العاملين في القطاع الخاص ومن في حكمهم؟ 

 

  هل يطبق القانون على أصحاب المعاشات ومن في حكمهم؟ 

 

  ما هو وضع الموظفين القدامى؟ هل سوف تسوى حالاتهم حسب القانون؟ 

 

  ما هو وضع الخبراء والمستشاريين الأجانب العاملين في مؤسسات الدولة؟ 

 

  ما أثر مشروع القانون الجديد على الموازنة العامة للدولة؟ 

 

  ما هو مصادر تمويل الحد الأدنى للأجور في ظل العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة؟. 

 

   كيفية التنسيق بين القانون ونظام الدعم الحكومي؟

 

  ما دور نظام الزكاة والوقف الخيري في تمويل الحد الأدنى للأجور؟. 

 

  تساؤلات أخرى يضيق المقام لسردها.

 

وتختص هذه الدراسة بمناقشة وتحليل التساؤلات السابقة وتقديم مجموعة مقترحة من المعايير الإسلامية والتوصيات المالية إلى أعضاء مجلس الشورى من باب النصح لتؤخذ في الاعتبار عند ناقشة مشروع القانون قبل إصداره.

 

* المقاصد الشرعية المنشودة من مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور غاية الغايات من مشروع القانون هو تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم الاجتماعي من على الطبقة الدنيا الفقيرة العاملة وتحفيزها على الإبداع والابتكار وتطوير أدائها إلى الأفضل، وتقوية بواعث الحب والأخوة والرضا بين العاملين في الوطن، وتطهير بيئة العمل من الحقد والكراهية والبغضاء والفساد، وهذا لن يتحقق إلاّ من خلال ربط الأجر بالجهد وبالأداء صفة عامة، وتطبيق القاعدة المتواترة في مجال العمل: (لا كسب بلا جهد، ولا جهد بلا كسب)، والتي تحث عليها كافة الأديان السماوية، ووضع فقهاء المسلمين لها الضوابط والمعايير الشرعية.

 

بالإضافة إلى ما سبق وجوب التخلص من الفئة التي تكسب بدون جهد، والتي وضعت في مناصب وظيفية وهمية ورقية بهدف كسب ولائها للنظام الحاكم السابق وتحصل على دخول عالية بدون حق معتبر شرعًا وقانونًا، وهذا يعتبر من صور الاعتداء على المال بدون حق وقد حرمته أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"  (البخاري ومسلم)، ويقول المفكر الإسلامي سيد قطب: "لا كسب بلا جهد".

 

وتأسيسًا على ما سبق يجب أن يحقق القانون المنشود ما يلي: 

 

  العدالة الاجتماعية بين فئات الشعب بدون تمييز. 

 

  التحفيز على العمل والإنتاج والإبداع والابتكار من خلال ربط الأجر بالجهد. 

 

  التنمية الاقتصادية من خلال رفع كفاءة أداء العنصر البشر وتحفيزه على العمل. 

 

  تقوية روابط الأخوة والحب بين العاملين، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره. 

 

  القضاء على الفساد المالي والمحسوبية والمجاملات بين العاملين. 

 

  أن يستشعر العامل في أي موقع أن عمله عبادة وفريضة وقيمة وشرف. 

 

   أن يكون ولاء العامل للوطن وليس للأشخاص.

 

* معايير إسلامية لتحديد الحد الأدنى للأجور:

 

يقصد بالحد الأدنى للأجر في الإسلام بأنه في المتوسط ما يكفل للعامل الحياة الكريمة في ظل الأحوال العادية، وبلغة أخرى هو الأجر الذي يكفي العامل الضروريات والحاجيات الأصلية المعيشية من: مأكل ومشرب وكساء ومأوى وعلاج وتعليم، وأصل ذلك ما ورد في القرآن الكريم في سورة طه عندما قال الله سبحانه وتعالى لسيدنا آدم عليه السلام عندما نزل إلى الأرض: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى) (طه: 118- 119).

 

وتختلف تكلفة الضروريات والحاجيات للإنسان من مجتمع إلى مجتمع ومن دولة إلى دولة ومن زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان... وهناك معايير مستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية يمكن الاسترشاد بها عند ما يقوم أهل الاختصاص بوضع مدى للحد الأدنى للأجور، من أهمها ما يلي: 

 

  معيار تكلفة الضروريات والحاجيات المعيشية الأصلية من طعام وشراب وملبس ومأوى وعلاج وتعليم وفقًا لسلم الأولويات الإسلامية. 

 

  معيار المستوى العام للأسعار بحيث يتحرك الحد الأدنى للأجر مع ارتفاع الأسعار. 

 

  معيار العادات والتقاليد والأعراف السائدة في المجتمع والتي لا تتعارض مع القيم الإيمانية والأخلاقية والسلوك السوي المستقيم. 

 

  معيار الاستطاعة والذى يتمثل في إمكانية تدبير الاعتمادات المالية المرصدة لبند الأجور في الموازنة العامة للدولة. 

 

  معيار الدعم الحكومي لمن هم دون حد الكفاية لأسباب معتبرة شرعًا. 

 

  معيار دور مؤسسات المجتمع المدني في التعاون مع الحكومة في توفير الكفايات لمن هم دون حد الكفاية.

 

ويجب أن تؤخذ هذه المعايير وغيرها في الاعتبار عند مناقشة مشروع القانون بواسطة أهل الاختصاص والخبرة من النقابات العمالية ومن وزارت المالية والاستثمار والتخطيط والتضامن الاجتماعي وممن يهمهم الأمر في الدولة ومن التيارات السياسية المختلفة.

 

ومن الموجبات العملية لنجاح تطبيق وتفعيل القانون هو التدرج للوصول إلى القيمة العادلة المنشودة في ضوء العامل المتحكم وهو الاعتمادات المالية وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا) (الطلاق: 7)، وتجنب حدوث خلل جسيم يسبب أضرارًا جسيمة لا تستطيع الدولة تحملها.

 

ولقد اجتهد أهل الاختصاص عند وضع مشروع القانون باقتراح أن يكون الحد الأدنى للأجر في هذه المرحلة مبلغ 1200 جنيه شهريًّا، على أن يعاد النظر فيه كل فترة زمنية (فرضًا سنة)، وبالرغم من أن هذا الرقم دون حد الكفاية من المنظور الإسلامي في ضوء الأسعار السائدة للعديد من الأسر ولا سيما التي تتكون من عدد كبير من الأفراد في مراحل التعليم المختلفة، ولكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار العامل المتحكم في تنفيذ هذا القانون وهو تدبير الاعتمادات المالية اللازمة في ضوء العجز الدائم في الموازنة وزيادة المديونية وارتفاع تكلفة الديون.

 

وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى بيان دور سياسات الدعم ودور مؤسسات المجتمع المدني المختلفة الاجتماعية والخيرية ودور نظام زكاة المال والصدقات والوقف الخيري........ في علاج مشكلة الفرق بين تكلفة الحاجات المعيشية وبين الحد الأدنى للأجر للأسر الفقيرة، وهذا ما سوف نتناوله في البند التالي.

 

* دور الدعم في سد الفرق بين الحد الأدنى للأجر وتكلفة الحاجات الأصلية لبعض الأسر:

 

الأصل ووفقًا للدستور والأعراف والمعايير الإسلامية في مجال الأجور هو ربط الأجر بالجهد، فكلما يزيد الجهد والعمل والإنتاج كلما يزيد الأجر وذلك لتحفيز العامل على العمل والإنتاج والإبداع والابتكار، وهذا وفقًا للمبدأ السابق الاشارة إليه: "لا جهد بلا كسب"، ويجب وضع نظم للحوافز والمكافآت لرفع همم وبواعثه العمال على العمل.

 

ولكن هناك بعض الحالات غير العادية مثل حالة أن التكوين العلمي أو الجسدي للعامل محدود والتالي فإن قدراته محدودة ويكون أجره محدودًا بمعنى أن الحد الأدنى للأجر لا يحقق له الكفاية، ففي هذه الحالة تتدخل الدولة من خلال نظام الدعم النقدي أو العيني لتغطي الفرق بين الحد الأدنى للأجر وبين حد الكفاية حتى يعيش الجميع حياة كريمة. 

 


كما أن هناك بعض الأسر الفقيرة كبيرة العدد وذات الأجر المحدود والذي لا يكفي تكلفة الحاجات المعيشية، ففي مثل هذه الحالات تتدخل الدولة من خلال نظام الدعم وغيره لتغطية الفرق بين الحد الأدنى للأجر وبين حد الكفاية لهذه الأسر.

 

ومن ناحية أخرى لا يجب على العامل أن يركن إلى الدعم ويتكاسل ولا يأخذ بالأسباب المشروعة لتنمية موارده، فالسعي في طلب الرزق الحلال عبادة وفريضة وقيمة وشرف، واليد العليا خير من اليد السفلى، كان يجب عليه الالتزام بقيم الإخلاص والأمانة وحسن الأداء والعفة والنزاهة والقدرة على الإبداع والابتكار....... وأن يكون قدوة حسنة للآخرين.

 

مثال توضيحى لربط الحد الأدنى للأجر بسياسة الدعم:

 

-  إذا فرض أن تكلفة الحد الأدنى للأجر لأسرة ما سنويًّا مبلغ  000 20 جنيه.

 

-  وإذا فرض أن تكلفة الحاجات الأصلية المعيشية السنوية لهذه الأسرة 000 25 جنيه.

 

-  مقدار الفرق بين الحد الأدنى للأجر وتكلفة الحاجات الأصلية 000 5  جنيه.

 

والذي يمكن أن يغطي من خلال البدائل المشروعة الآتية: 

 

  العمل ساعات إضافية إذا كانت ظروف العمل تسمح بذلك. 

 

  العمل في أوقات الفراغ في أعمال تدر عليه دخلاً إضافيًّا. 

 

  عمل الزوجة لتساهم في تكاليف المعيشة بضوابط شرعية. 

 

  أو عن طريق الدعم الحكومي النقدي أو العيني.

 

وخلاص القول يجب التنسيق والتكامل بين نظام الحد الأدنى للأجر والجهد والدعم بما يحقق للعامل الحياة الكريمة.

 

* دور زكاة المال والصدقات في دعم الحد الأدنى للأجور:

 

لتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الحد الأدنى للأجور بما يضمن للفرد الحاجات الأصلية، وفي ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها مصر ومن مظاهرها العجز في الموازنة بسبب نقص الموارد، يمكن أن تساهم زكاة المال والصدقات والوقف الخيري........ والتي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني الخيرية بدور هام في مساعدة الأسرة الفقيرة التي لا يكفيها الحد الأدنى للأجر ولا الدعم الحكومي.

 

ونقترح في هذا المقام أن تنشأ موازنة مستقلة بعيدة عن الموازنة العامة للدولة تسمى موازنة التكافل الاجتماعي ومن أهم مواردها: الزكاة والصدقات والنذور والكفارات والوقف الخيري.....

 

نحو ذلك من الموارد المالية غير الحكومية، وهذه الموازنة يمكن أن تتفاعل مع نظام الدعم الحكومي في توفير الحياة الكريمة لشريحة الفقراء والمساكين ونحوهم، وبذلك تخفف العبء من على الدولة، وهذا الاقتراح يحتاج إلى دراسة تفصلية مستقلة سوف يتم تناولها في مناسبة أخرى.

 

* معايير إسلامية لتحديد الحد الأقصى للأجر:

 

من المقاصد المنشودة لمشروع القانون هو التصدي للفساد في بيئة العمال، حيث أحيانًا نجد بعض العاملين يحصلون على دخول عالية تصل إلى أكثر من مائة ضعف لأقل الدخول في نفس الوحدة الحكومية أو الوحدة الاقتصادية من قطاع الأعمال والخدمات، وهذه التميز في الدخول غير المشروع يثير الحقد والكراهية والبغضاء، ويؤدى إلى أساليب غير مشروعة من بعضهم مثل:

 

لسرقة والاختلاس وخياية الأمانة والتكسب غير المشروع من الوظيفة وغير ذلك من أساليب الاعتداء على المال العام والتي يجب التصدي لها بالقانون.

 

ويختلف الحد الأقصى للأجر من وحدة إلى وحدة أو من منشأة إلى منشأة حسب طبيعة العمل ومتطلباته الفكرية والعلمية والعملية والخبرات والمهارات، ولكن يجب أن تكون الفروق بينهم مقبولة وفي نطاق محدود ومعين ومقنن.

 

ومن المعايير الإسلامية المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية التي يمكن الاسترشاد بها في تحديد الحد الأقصى للأجر ما يلي: 

 

  معيار تضييق الهوة بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجر في ضوء الأعراف. 

 

  معيار طبيعة الخبرات والمهارات والكفاءات والجهد المبذول. 

 

  معيار الندرة النسبية للخبرات والكفاءات. 

 

  معيار الضرورة والحاجة لمثل هذه الخبرات والكفاءات. 

 

  معيار قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". 

 

  معيار الحوافز والدوافع والبواعث على الإبداع والابتكار. 

 

  معيار تطبيق نظام الضرائب التصاعدية بالشرائح لتضييق الهوة بين الدخول. 

 

  معيار جعل الاستثناءات في أضيق الحدود ومن سلطات عليا ولأجل قصير محدود وعند الضرورة المعتبرة شرعًا. 

 

  أي معيار آخر يحقق المقاصد المشروعة للقانون ولا يتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

 

ولقد ورد في مشروع القانون أن لا يزيد الحد الأقصى للأجر في السنة عن 35 ضعفًا للحد الأدنى للأجر، وهذا اجتهاد بناء على دراسات متخصصة يمكن أن يعاد النظر فيه كل فترة في ضوء المعايير السابقة، وأن يؤخذ في الاعتبار دائمًا مبدأ: (لا كسب بلا جهد) ومبدأ "مقابلة العائد بالجهد", ولا يوجد من حرج شرعي من الاستفادة بخبرات الدول الأخرى في هذا المجال، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهذ أحق الناس بها.

 

* تساؤلات حول نطاق تطبيق مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور:

 

بصفة عامة ومرحلية يطبق مشروع القانون على العاملين بالوحدات الحكومية الخدمية المختلفة وما في حكمها، وكذلك على العاملين في شركات قطاع الأعمال العام وعلى أصحاب المعاشات والتأمينات الاجتماعية.

 

ويثار في هذا الصدد العديد من التساؤلات حول خضوع بعض الوحدات ذات الطبيعة الخاصة للقانون، من أهم هذه التساؤلات ما يلي: 

 

  ما وضع الخبراء الأجانب المندوبين للعمل في الوحدات الحكومية وشركات قطاع الأعمال العام من ذوي الخبرات النادرة وغير المتاحة حاليًا في مصر؟ 

 

  ما وضع العاملين في الشركات ذات الملكية المختلطة بين القطاع الخاص وقطاع الأعمال العام؟ 

 

  ما وضع العاملين في منظمات المجتمع المدني مثل الجمعيات والنقابات والنوادي غير الهادفة للربح. 

 

  ما وضع العاملين بمكافات في الحكومة لحين التثبيت.

 

يجب وضع حلول عملية لمثل هذه الفئات حتى لا يحدث خللاً في سوق العمل، وبصفة عامة فإنه من المتوقع حدوث مشكلات عملية عديدة عند وضع اللائحة التنفيذية للقانون، والتي سوف تعالج من خلال القرارات الوزارية.

 

* قضية تطبيق مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور على العاملين  في القطاع الخاص وما في حكمه:

 

في المرحلة الحالية سوف يطبق القانون على العاملين في الوحدات الحكومية وشبه الحكومية وعلى العاملين في شركات قطاع الأعمال العام، ويرى البعض أن هناك صعوبات عملية في هذه المرحلة لتطبيقه على العاملين في القطاع الخاص وما في حكمه وذلك لعدد من المبررات من بينها ما يلي: 

 

  صعوبة الرقابة على التطبيق لوجود العديد من الثغرات والمنافذ للتحايل على عدم تطبيقه. 

 

  الحذر من التأثير السلبي على مناخ الاستثمارات في الوقت الذي تعاني فيه مصر من حدة مشكلة البطالة. 

 

  أنه في ظل سوق مفتوح للعمالة، سوف تضطر بعض وحدات القطاع الخاص تلقائيًّا بالالتزام بالحد الأدنى للأجور خشية تفلت بعض العاملين بها إلى قطاع الأعمال العام عندما يكون مستوى الأجر في الأخير أعلى.

 

ومن منظور مبادئ المساواة والعدالة والمواطنة، يأمل العاملون في القطاع الخاص أن يطبق عليهم القانون إذا كان في ذلك منفعة مالية ومعنوية لهم وهذا يتعارض مع مبادئ النظام الاقتصادي الحر، ويتفق مع مبادئ النظام الاقتصادي الاشتراكي، ومن منظور النظام الاقتصادي الإسلامي وتطبيق مبدأ سلطة ولي الأمر في تحقيق المصالح المرسلة الشرعية لأفراد الشعب فإنه يمكن تطبيق نظم الدعم والزكاة والصدقات والوقف الخيري على العاملين في الوطن بصفة عامة والذين تقل دخولهم عن تكلفة الحاجات الأصلية، وتكليف وزارة الضمان الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني بهذا الدور.

 

* أثر مشروع قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور على الموازنة العامة للدولة:

 

من أهم أسباب معوقات إصدار قانون الحد الأدنى والأقصى للأجور دعوى أنه لا توجد اعتمادات مالية في الموازنة العامة للدولة لتمويل الفروق بين الاعتمادات المالية المتاحة وبين الاعتمادات المالية المطلوبة لتطبيق القانون.

 

والرد على هذه المقولة على النحو التالي: 

 

  سوف تساهم الوفورات عند تطبيق الحد الأقصى للأجور في تغطية العجز في الاعتمادات المالية عند تطبيق الحد الأدنى للأجور. 

 

  بإعادة النظر في بعض بنود النفقات في مجال الكماليات والتحسينات ونقلها إلى بند الأجور سوف تحدث وفورات تستخدم في تمويل الحد الأدنى للأجور. 

 

  تحويل الوفورات في الصناديق الخاصة والتي كانت تنفق في مجالات ترفية ومظهرية وبدون حق مشروع إلى بند الأجور. 

 

  تحويل الوفورات في بند نفقات المستشارين على الورق ولا يعملون في بعض الوحدات الحكومية وقطاع الأعمال العام والذين كانوا يحصلون على مبالغ طائلة بدون مبرر معتبر شرعًا وقانونًا ولكن كان بسبب كسب ولائهم للنظام الحاكم إلى بند الأجور. 

 

  تخصيص حصة من أموال مصر المستردة من المعتدين على المال العام لدعم بند الأجور. 

 

  تطبيق نظام الصكوك الاستثمارية الإسلامية ونظام) B.O.T. البناء والتشغيل ونقل الملكية إلى الدولة) بضوابط.... في تمويل المشروعات القومية الكبرى، وهذا سوف يوفر اعتمادات في الموازنة العامة للدولة يمكن أن يوجه جزءًا منها إلى بند الأجور. 

 

  تطبيق فقه سلم الأولويات الإسلامية في النفقات العامة والتركيز على الضروريات والحاجيات في هذه المرحلة سوف يحقق وفورات يمكن أن يوجه جزءًا منها إلى بند الأجور.
وخلاص القول لو أخذ في الاعتبار الموارد المالية السابقة في تمويل الحد الأدنى للأجور سوف يتحقق بالفعل وفرًا في الموازنة وليس عجزًا كما يظن البعض.

 

* وصايا مالية إسلامية لنجاح تطبيق قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور:

 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: 117)، ويقول عز وجل كذلك: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96). واستنباطًا من هذه الآيات فإن نجاح تطبيق قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور بحق، يعتمد على الموجبات الآتية:

 

أولاً: وجود القيادة المخلصة الرشيدة القوية في تطبيق العدل لا تخشى في ذلك لومة لائم، كما يجب على العاملين الالتزام بقيم الأمـــــــانة والإخلاص والرقابة الذاتية والضمير الحي والاتقان والمعاصرة وحب الوطـــن ويكونون قدوة لغيرهم.

 

ثانيًا: تطهير الوحدات الحكومية ووحدات القطاع العام من الذين يحصلون على كسب بدون جهد معتبر شرعًا وقانونًا وعرفًا، فإن الله سبحانه وتعــــالى لا يصلح عمل المفسدين، وتفعيل قوانين تجريم الاعتداء على المال العام.

 

ثالثًا: تفعيل بنود الدستور ذات العلاقة بربط الأجر بالجهد ووجوب تحقيق العدالة والمساواة والمواطنة بين الناس جميعًا، فالحق أحق أن يتبع، والولاء لله والحب للوطن عبادة.

 

رابعًا: من مسئولية الدولة كما ورد بالدستــــور كفالة الحيـــاة الكريمة من  الضروريات والحاجيات لكل المواطنين، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته. 

 

خامسًا: العدالة في تطبيق نظام الدعم، بأن يؤخذ من موازنة الدولة بالحق ويعطى لمستحقيه بالعدل، ويمنع من غير مستحقيه بالقانون.

 

سادسًا: التعجيل بإصدار تشريعات الزكاة والصدقات والوقف الخيري لتساهم في  توفير الحـــــاجات الأصلية للفقراء والمعوزين.

 

سابعًا: تطبيق نظام الضريبة التصاعدية بالشرائح لتقابل الفجوة بين أصحاب الدخول الدنيا وأصحاب الدخول العالية، فالزكــــــاة حق الله في المال، والضريبة العادلة حق الوطن في المال والتهرب منها حرام. 

 

ثامنًا: تطبيق منهج التدرج في تفعيل قانون الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور لتجنب الفتن، وكذلك تطبيق فقــه سلم الأولويـــات الإســــــلامية، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

 

تاسعًا: إعـــادة النظر في الهيكـــل العام للموازنة بإعطاء أوزان نسببة كبيرة  للاعتمادات المخصصة للخدمات الضرورية والحاجية للمواطن، وتمويل  المشروعات الإنتاجية من خلال صيغة الصكوك الاستثمارية ونظــام المشاركة المنتهية بالتمليك ونظام البناء والتشغيل ونقل الملكية إلى الدولة، وتجنب التمويل بنظام القروض بفوائد ربوية تجنبًا في الدخول في حرب مع الله ورسوله فقد قال تبارك وتعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: 276).

 

عاشرًا: الالتزام بالقيم والأخلاق الحسنة والسلوك السوى، وتطبيق وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بعض، كونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ها هنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات)، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (رواه مسلم).

 

واختم هذه الوصايا بقول الله تبارك وتعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 9) وبوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي" (رواه البخاري ومسلم).

----------

* الأستاذ بجامعة الأزهر والمشرف على موقع دار المشورة للاقتصاد الإسلامي

 www.Darelmashora.com

E.mail.Darelmashora@gmail.com