نقلت قناة On T V live لمدة أكثر من ساعتين بعد عصر الأربعاء 23/1/ 2013 جلسة لجنة استماع من الكونجرس الأمريكى لشهادة كلينتون- وزيرة الخارجية السابقة- في مقتل السفير الأمريكى وإصابات دبلوماسيين فى أحداث القنصلية الأمريكية ببنغازى بليبيا 10/ 9 / 2012. تلك الأحداث كانت أحد التطورات فى العالم العربي والإسلامي إزاء الفيلم المسيئ للرسول عليه الصلاة والسلام.


الغريب أن جلسة الاستماع لأحداث سفارات أمريكا ومقتل السفير لم تتناول إطلاقا علاقة تلك الأحداث بالفيلم المسئ لمقدسات المسلمين. واقتصر النقاش حول التطرف الاسلامى وتوفير الأمن للدبوماسيين الأمريكان فى الدول العربية. لم تناقش تلك اللجنة الخلفيات المرتبطة بها، وهذا منطقى لأن الأمريكان لا يُقَدِّرون مشاعر غيرهم، بل يُقَدِّرون مصالحهم العليا. هذا التجاهل لمشاعر المسلمين يوحى بأن مقتل السفير لا توجد خلفه أسباب مقنعة سوى الإرهاب. هذه الطريقة لرواية الاحداث ترجع إلى أن الإدارة والكونجرس الأمريكى يبحثان دائما عن فكرة العدو والإرهابى المتربص للشعب الأمريكى. وذلك يساعد فى توجيه الشعب الأمريكى وإقناعه بتأييد شن الحروب ضد ذلك العدو الخرافى. كما تخدم فكرة العدو المشترك فى بقاء أمريكا دولة موحدة قوية فى وجه الانقسام والتمزق خاصة مع طبيعة التركيبة العرقية غير المتجانسة لأمريكا التى تهدد هذا الكيان.


وتأكيداً على ذلك صرحت كلينتون فى شهادتها بأن الربيع العربى فى مصر وليبيا وتونس واليمن فرض مخاطر كبيرة، وأن هذا ظهر فى أحداث محاولة اقتحام السفارات الأمريكية فى مصر واليمن وبنغازى. كما أكدت كلينتون على أن الإرهاب فى الشرق الأوسط لم ينتهى بمقتل بن لادن. تلك الشهادة أكدت على مخاطر الإرهاب فى الشرق الاوسط ودول الربيع العربى. هذه الشهادة تذكرنا بالطريقة التى اتبعتها الإدارة الأمريكية قبل شن حروبها فى افغانستان والخليج التى انتهت بتمزيق أفغانستان والعراق. ومن ثم فإن هذا النقاش لأحداث السفارة الأمريكية لا ينفصل عن أهداف السياسة الأمريكية واستراتيجياتها التى ترسمها لما بعد الربيع العربى.


أرجو ان يوافقني القارئ الكريم فى عدم لوم السياسي الأجنبي على إخلاصه لبلاده رغم كراهيتنا لسياستهم واختلافنا معها. يجب ألا نهتم بتوجيه اللوم للإدارة الأمريكية على محتوى النقاش فى لجنة الاستماع بالكونجرس حول أحداث سفارتها فى بنغازى، إذا نظرنا لهذا النقاش من زاوية إخلاصهم لمصالحهم من المنظور الأمريكى الأنانى البراجماتى. بل يجب أن يوجه اللوم للساسة والإعلاميين المصريين الذين يسهمون فى تسويق وخدمة الرؤية أمريكا على حساب بلادنا، فتكون سلوكياتهم طعنة فى ظهر الوطن وخدمة مجانية للعدو.


كنت أتوقع من قناة On T V  - القناة المصرية- أن تهتم بإلقاء الضوء على سبب تلك الأحداث، طالما أنها تطوعت بإذاعة مناقشات جلسة الاستماع الأمريكية. هل نحن أمام أمام قناة تليفزيون أمريكية؟. كيف تعمد قناة تليفزيون مصرية أن تكون بوقا للسياسة الأمريكية؟. كان على تلك القناة المصرية أن تحيط المشاهد المصرى والعربى بخلفيات تلك الأحداث فى سفارة أمريكا بليبيا، لأن عدم تذكير المشاهد العربى بها يرسخ اتهام التطرف بأنه صناعة عربية واسلامية، ومن ثم يقدم غطاءاً أخلاقيا لاى حرب أو ضربة تشنها أمريكا على أى منطقة من بلاد الربيع العربى. إن عدم اهتمام الإعلام بخلفيات أحداث السفارة الأمريكية ببنغازى يُسَوِّق الرؤية الأمريكية ويَقُوم بدور غسل الأدمغة ويُقَلِّل من وقوف العربى بجوار أخيه طالما أن أخاه متطرف ومُعْتَد على حُرُمَات الآخرين. وهذا يسهم بشكل خبيث فى إضعاف التماسك العربى فى مقابل إعطاء مبررات للأمريكى لشن الحروب علينا.


هل القناة تتشارك وجدانيا مع مصالح ومشاعر الأمريكيين ولا تتضامن فى وجه الاعتداء على مقدسات ومشاعر المسلمين والإساءة للنبى عليه الصلاة والسلام؟.


هذا السلوك من تلك القناة يتمشى مع كونها للأسف مازالت منذ حوالى ثلاثة شهور تقوم باستمرار بتثبيت الشاشة على عدد محدود من الأفراد المحسوبين على جبهة الإنقاذ يقفون بميدان التحرير كمعارضين للرئيس المنتخب، والإيحاء للغرب أن البلاد مضطربة سياسيا. ظلت القناة تركز على هذا المشهد وتضع على شريط الأخبار جملاً مثل " الاعتصامات مستمرة فى ميدان التحرير". من الذى يُمَوِّل تكلفة هذا الوقت الضخم جدا الذى تستنزفه القناة فى التغطية المستمرة لتلك الاعتصامات التافهة العدد والمعطلة لشريان حيوى هو ميدان التحرير، وبطريقة غير مخلصة للوطن. هل تغطى  القناة  تلك الأحداث باعتبارها خميرة لثورة يتمناها بعض مُمَوِّلى تكلفة تلك التغطية الباهظة؟.


هذا يعنى أن تلك القناة تدافع عن أهداف معينة مثل انحراف بوصلة مصالح الوطن العليا وتكريس عدم الانتماء للوطن. إن تلك القناة تذكرنا بالشيوعيين السوفيت عندما كانوا يتحملون نفقات نشر المجلات والكتب شبه المجانية فى العالم النامى مثل مصر فى الستينات. كانت الدول الشيوعية حينها تُمَوِّل تلك الكتب والمجلات المترفة لا يسعون للربح وإنما لنشر الشيوعية وثقافتها. وكانت صحافتنا وإعلامنا يروج لمصالح السوفيت وفلسفتهم.


هل التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى لمصالح معنية علمانية كانت أو ليبرالية كانت، أم لمصالح فريق معين. قولوا لنا من المُمَوِّل بغير حساب لصالح الأمريكان وتدمير قيم وانتماء المصريين؟


--------


• كلية التربية جامعة سوهاج.