احتدم الصراع وحميت المعركة بين التيار الإسلامي وغيره عقب الثورة في مصر، والملاحظ أن أعداء التيار الإسلامي لم يعرفوا وسيلة تؤيدهم وتساندهم في الوصول إلى حكم البلاد في مصر أو في خارجها إلا استعملوها، وسخروا من أجل أهدافهم كل قنواتهم الإعلامية المتعددة، وصحفهم الكثيرة، ومنابرهم وأحزابهم وأتباعهم وأموالهم وغير ذلك، وقد تفننوا في محاولات يائسة بإقناع المواطن المصري العادي بأنهم أصحاب الحق، وأنهم لا يريدون إلا الخير لمصر، وذلك بصورة تكاد توهمنا في كل مرة تمر فيها مصر باستحقاق انتخابي، بأن كل المصريين أو أغلبهم على الأقل يؤيدونهم ويشجعون فكرهم، ويتنادون إلى طريقهم، ويهتفون لهم، ويسيرون في ركابهم، وتكون المفاجأة في نتائج الانتخابات وفي حصد الأصوات وإحراز المقاعد، والتي تكون- وخاصةً في الانتخابات الحقيقية التي جرت بعد الثورة- في صالح الإسلاميين دائمًا.
وبناءً على هذا فإننا نكاد نوقن بأن الانتخابات القادمة ستكون في صالح الإسلاميين أيضًا، وأن المنتصر في هذه المعركة هي مصر، وأنها ستحظى بأبنائها البررة الذين يتنافسون في حبها، ويحرصون على صالحها، وهم على أتم استعداد للتضحية بأموالهم وأنفسهم من أجلها.
أما أنه اليقين فلأن الله عز وجل يتطلب اليقين كعدة للصالحين في مثل هذه المعارك ويقول: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: آية رقم 24) وأما أنه النصر لمصر بالإسلام والإسلاميين، فلأن ذلك هو وعده سبحانه لأتباع دينه وشرعه وهو القائل : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور آية رقم 55)، وقال: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) يونس آية رقم 103، وقال أيضًا: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم آية رقم 47)، وقال: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات آية رقم 173)، وقال: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر آية رقم 51)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج آية رقم 38).
بل إن الله عز وجل بنفسه هو الذي حسم الصراع بين الحق وبين الباطل، في كل معركة يلتقي فيها الطرفان، ويتقابل الصفان، وفي ذلك يقول سبحانه: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء آية رقم 18)، ويقول: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: الآية رقم 81 )، ويقول: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف آية رقم 128)، ويقول: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) (الرعد: آية رقم 17).
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نعلنها مدوية، بأننا سندخل معركتنا الانتخابية القادمة، بل وكل معركة وسلاحنا هو اليقين في الله عز وجل بنصرة الحق وأهله، وهو السلاح الذي كان يتسلح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل معاركه، ويكفي في ذلك ما جاء في السيرة النبوية لابن كثير، عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قال: لَمَّا بَلَغَنِي خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهْتُ خُرُوجَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، فَخَرَجْتُ حَتَّى وَقَعْتُ نَاحِيَةَ الرُّومِ - وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى قَيْصَرَ - قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهَتِي لِخُرُوجِهِ. قَالَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَضُرَّنِي، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُ. قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ قَالَ النَّاس: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ.ثَلَاثًا. قَالَ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ.قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدينِك مِنْك. فَقلت: أَنْت تعلم بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ. أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ، وَأَنت تَأْكُل مرباع قَوْمك؟ قلت: بلَى. قَالَ: فَإِن هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ. قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا فَتَوَاضَعْتُ لَهَا. قَالَ: أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ ; تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ وَمَنْ لَا قُوَّة لَهُم، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أرها وَقد سَمِعت بهَا: قَالَ: فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بن هُرْمُز.قَالَ قلت: كنوز ابْن هُرْمُزَ؟ قَالَ: نَعَمْ كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ. قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَوالذى نفسى بيده لقد رأيت الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَن فتح كنوز كسْرَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا.
إنه اليقين الذى قذفه الله أولاً في قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقذفه النبي في قلب عدى بن حاتم الذى قال في نهاية حديثه: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا"، ونحن بدورنا نتلقى هذا اليقين، ونؤمن به ونعيش عليه.
---------
* أستاذ القانون الدولي العام بجامعة الأزهر
الأستاذ المشارك بكلية الآداب جامعة البحرين