في مصر ظاهرة عجيبة، تفوق عجائب الدنيا السبع، وهي ادعاء سدنة نظام الديكتاتور المخلوع مبارك أنهم ثوار وأصحاب مشروع إصلاحي، وأنهم يعارضون الديكتاتورية، ليصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

 

الذين كانوا يُطبلون للمخلوع آناء الليل وأطراف النهار، ويسبحون بحمد قرينته ويروّجون لشلة نجله، هم أنفسهم الذين يتصدرون المشهد الآن ويسيئون إلى الرئيس محمد مرسي ويُشهّرون بجماعة الإخوان المسلمين التي كان أفرادها يقاسون ويلات المعتقلات في ذات الوقت الذي كانوا يتقلبون هم فيه في أحضان النظام ويتخذون من مبدأ "لا أرى لا أسمع لا أتكلم" شعارًا لهم.

 

قال المتنبي شاعر العربية الأكبر:

يُقضى على المرء في أيام محنته           فيري حسنًا ما ليس بالحسنِ

 

وسدنة النظام البائد يرون حسنًا ما ليس بالحسنِ، وتأتيهم الجرأة الصفيقة ليصدقوا الكذبة، ويعتقدوا أنهم رجال المرحلة وأنهم لم تلدهم ولادة.. تمامًا كما تفعل امرأة سيئة السمعة مع رجل شريف فتنهال عله سبًّا وشتمًا ولعنًا لعلمها أنه لن يستطيع مجاراتها، ولن يسمح لنفسه بالانزلاق لهذا المستوى السافل الذي سيخصم من رصيده الكثير إن هو تماهى معها فيما تقول وتفعل، فتعتقد هذه الساقطة أنها قد انتصرت عليه وأنها امرأة حكيمة وشجاعة..! وللأسف الشديد هذا هو حال المعارضة المصرية مع الرئيس محمد مرسي.. ولا أقول كل معارضة.. فصاحب هذا القلم عارض الرئيس مرسي عدة مرات، ولكن ليس من أجل إسقاطه.. وإنما لمصلحة هذا البلد.

 

والسؤال: ما علاقة المعارضة بقلة الأدب والسب والشتم والتطاول والخوض في الأعراض؟ ما علاقة المعارضة بسب وشتم مرشد الإخوان الذى لم يرد مرة واحدة على هذه السفالات مستخدمًا المبدأ الرباني: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ".

 

هل يعقل أن يتحول الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق اللصيق بفاروق حسني  وصديق الديكتاتور الهالك معمر القذافى؟

 

هل يعقل أن يتحول مصطفى بكري أحد جنود القذافى وبشار وجمال مبارك إلى مصطفى كامل؟!

 

ومثلهما الكثير ممن ابتلانا الله بهم ليميز الخبيث من الطيب.

 

أجدني أتوقف عند حالة "محمد سلماوي" رئيس اتحاد الكتاب، والكاتب الصحفي.. سلماوي الآن يكتب عمودًا بجريدة "المصري اليوم" يبدو فيه وكأنه فارس الفرسان العرب.

 

لا يكتب سلماوي أي شيء يعود بالنفع على الوطن.. لا يكتب كلمة واحدة تهم المواطنين.. لا يكتب عن تطوير التعليم.. لا يكتب عن سكان العشوائيات.. لا يكتب عن الفقراء والمعوزين.. لا يكتب عن المرأة المعيلة.. لا يكتب عن الشباب العاطل.. لا يكتب عن انتشار المخدرات.. لا يشجب الانحراف الأخلاقي.. لا ينتفض ضد قنوات التنصير التي تملأ النايل سات.. لا يهتم بالطوابير التي تقف أمام المستشفيات الحكومية.. لا يتأثر بنقص الأدوية.. لا يكتب كلمة طيبة يتذكرها يوم العرض على الله.

 

المناضل الكبير محمد سلماوي كرّس حياته لقضية خطيرة تمس أمن العالم ألا وهي "الأخونة"، تلك القضية التي أصابته بوسواس قهري، تجعله يحشر "الأخونة" في أي مقال، ولو كان سلماوي يمتلك الشجاعة لتحدث عما كان يفعله الحزب الوطني المنحل الذي احتكر تعيين رؤساء الجامعات والضباط ووكلاء النيابة وأعضاء المجالس المحلية وأئمة المساجد ورؤساء تحرير الصحف ورؤساء القطاعات في التلفزيون ومديري المستشفيات، وكل هؤلاء لابد لهم من شهادة من لدن جهاز أمن الدولة ليقول إنهم صالحون لشغل هذه المناصب.. لم يتحدث سلماوي وقتما كانت الدولة مختطفةً من قِبل الحزب الوطني المنحل.. لم يتحدث هو ومن على شاكلته.. لم يجرؤ أن ينتقد حسني مبارك أو حتى صفوت الشريف رائد عمليات "السمو الروحي".. الآن رئيس الدولة يُشتم في القناة الأولى والفضائية المصرية وجريدة الأهرام والبرنامج العام وإذاعة الشرق الأوسط، حتى وصلت الوقاحة بأحد المتصلين أن يتصل بإذاعة الشرق الأوسط غداة الاحتفال بالذكرى الثانية لثورة 25 يناير ليقول بالحرف – وقد سمعته بأذني: أحب أبارك للرئيس محمد مرسي وأقول له كل سنة وإنت طيب بمناسبة هروبك من السجن! هكذا بكل سوء أدب دون مقاطعة من المذيعة التي ابتسمت وتركت المتصل الأهوج يكمل مهاتراته وهجومه على الرئيس وجماعة الإخوان.. فهل هذه أخونة؟!

 

أي أخونة يتحدث عنها سلماوي وشركاه؟

 

وكم عبر أمير الشعراء أحمد شوقي عن حالة هؤلاء:

 

"وَالناسُ في أَوهامِهِمْ سُجَناءُ"

 

لقد خلقوا وهم "الأخونة" وعاشوا فيه، وتركوا مصالح البلاد وشئون العباد، تركوا الكلمة الطيبة.. تركوا العمل الصالح.. ونسوا أن الله سيحاسبهم عن كل كلمة أدَّت إلى الفتنة وإلى إراقة الدماء.

 

يقول تعالى: "وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" ( الصافات: 24 )

 

وأيضًا: "سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" ( الزخرف: 19 )

 

"وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" (الإسراء: 13- 14).

 

"وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" (الكهف: 49).

 

"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا" (الانشقاق:7 - 13).

إن محمد سلماوي وشركاه يعيشون في حدوتة "النخبة" ويعتقدون أن "النخبوية" لا تسمح لهم بالحديث عن مشاكل الوطن وهمومه والسعي لعلاج هذه المشاكل؛ لذلك تجد أحدهم يكتب مقالاً طويلاً عريضًا عن "لوحة" سيريالية رآها في أحد المعارض، ليكتب عن "الشخبطة" المرسومة يتغزل فيها ويوضح أنها السبب في قيام الثورة! أو تجد آخر يتحدث عن إحدى القصائد الركيكية غير المفهومة ليدعى أنها تحمل رموزًا خطيرة لا يفهمها "المتأسلمون"!

لقد حاولت أن أرى أى إنجاز لسلماوى، فوجدت مسرحية هزلية تدعى "الجنزير" حاول فيها  بكل طاقته أنه يشيطن الإسلام، ويشنع عليه ويصور المسلمين على أنهم قتلة ومصاصو دماء! وقد كتب العلامة الدكتور إبراهيم عوض نقدًا لهذه المسرحية الركيكية وكشف عوارها وأثبت أن سلماوي لا يعرف حتى الكتابة الصحيحة..

 

إن سلماوي وشركاه يستكبرون ولا يستمعون للنصح ويعتقدون أن من يعارضهم فهو من "كتائب الإخوان الإليكترونية"! بل قد تجده حول النصيحة له إلى تهديد إرهابي! ويطلب الداخلية بسرعة تعيين حراسة له لأنه في خطر عظيم!

 

أليس من الأولى أن ينشغل سلماوي بهموم الوطن هو وشركاه؟ ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.