ثمة أطراف -الآن- تواجه ثورتنا البيضاء النقية، على رأسها الإعلام الممول، من الداخل ومن الخارج، والذي تخطت تجاوزاته كل الحدود، وليس هناك أمل في منعه من إجهاض الثورة سوى بتفعيل القانون، وجرجرة الفاسدين إلى المحاكم، وتطبيق عقوبات رادعة ضد كل من تثبت في حقه جريمة من جرائم التمويل، أو تكدير السلم العام، أو ازدراء الأديان، أو السخرية من رموز السلطة.
لقد أشار وزير الإعلام -منذ أيام- إلى أن ما تم صرفه على القنوات المشبوهة خلال الفترة الماضية زاد على ستة مليارات جنيه، في حين لم تزد إيرادات تلك القنوات على مليار ونصف المليار جنيه، ما يعنى وجود عجز بين الإيرادات والمصروفات يزيد على الأربعة مليارات ونصف المليار جنيه، فمن -إذًا- الذي سد هذا العجز؟! ولماذا؟!.. هذه الأسئلة وغيرها ينتظر الشعب أن تجيب الحكومة عنها؛ لأن هناك أجهزة محاسبية وأخرى رقابية، دورها محاصرة التمويل المشبوه والإبلاغ عن أي تجاوزات في هذا المجال، وحتى الآن -رغم تصريحات وزير الإعلام والتي كررها في أكثر من مناسبة من قبل- لم تحل قناة واحدة من تلك القنوات المشبوهة إلى جهة من تلك الجهات الرقابية.
استطاع أصحاب المصالح، في الداخل والخارج، أن يشتروا ضمائر مئات (الإعلاميين!!) -حسب تقارير قامت بها جهات أكاديمية- في أكثر من مائة قناة وإذاعة، خاصة وقومية؛ لإفشال النظام الحالي، وإظهاره بمظهر العاجز عن إدارة الدولة، وتضخيم المشكلات المعيشية الطارئة، والتفنن في خلق الأزمات وتصديرها إلى الجماهير بعد تكوين رأى عام، على غير الحقيقة، وهذا كله استدعى سلوكيات بعيدة كل البعد عن الحيادية والموضوعية ومبادئ العدل، وقد رأينا كيف سُلِّطت الأضواء على شخصيات بعينها، ومواقف بعينها، بغرض التشويه والسخرية ونشر الأخبار والأحاديث الكاذبة التي تسيء إلى السمعة وتجعل من الشخص -وهو هنا الدكتور مرسى- ومن الجماعة -وهى هنا جماعة الإخوان المسلمين- مبغوضًا من الشعب، متهمًا في وطنيته وانتمائه.
لما شبّه فضيلة مرشد الإخوان المسلمين، الدكتور محمد بديع، إعلاميي التمويل بسحرة فرعون، ظلم بتشبيهه هذا الأخيرين، فإذا كان كلاهما يتقاضى أجرًا من أجل السحر، أي للتدليس والكذب والوهم (قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)) (الأعراف)، فإن سحرة فرعون كانوا يمتلكون عقولا وضمائر يقظة، وفوق ذلك إيمانًا كامنًا فجره الموقف المعروف مع موسى؛ إذا لما أيقنوا أن خصمهم على حق وهم على باطل، لم ينظروا لما سوف يتقاضونه حرامًا، بل عادوا لربهم على التو، وندموا، وقالوا لفرعون بتحدٍ عجيب: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72)، أما إعلاميو التمويل فلم يفعلوا عشر ذلك، بل ظلوا في غيهم سادرين، ما يؤكد ألا عقل لهم ولا إيمان ولا ضمير.
ماذا لو لم يكن هناك هذا الإعلام الفاسد الفاجر المضل؟! وماذا لم يكن هناك إعلاميون باعوا ضمائرهم لمن يدفع أكثر نظير قلب الحقائق وخلق الأكاذيب وتزوير التاريخ؟!.. لو حدث هذا لكنا قد وفرنا على أنفسنا سنتين من القلق والعذاب وانفلات الأمن، ولكنا قد نهضنا ببلدنا وأصلحنا ما أفسده العسكريون والعلمانيون على مدار عقود، ولرددنا الاعتبار لمواطنينا الذين يستحقون كل خير.. لكن ماذا تقول لقلة شاردة قدمت مصلحتها على مصلحة الوطن، وأشعلت نار الحقد في قلوب أبناء الأمة الواحدة، ومازالت تشعل حرائق في كل ركن من أركان البلد، بهدف إرضاء أسيادهم الذين منحوهم العطاءات الجزيلة وأغدقوا عليهم بالغالي والنفيس؟!
سعدت بتدشين جمعية حماية المشاهدين والمستمعين والقراء التي أسسها عدد من أساتذة الإعلام؛ من أجل رصد تلك الخروقات التاريخية في مجال الإعلام المرئي والإذاعي والمطبوع، ولحماية الشعب من تلك الآفات التي ترعاها الثورة المضادة، والتي لم تعد القوانين تسعف للتعامل معها.. وفي اعتقادي أن مثل هذه المبادرات المجتمعية سوف ترد هؤلاء الضالين إلى حظيرة قيم وأخلاق المجتمع، وسوف تكشف المستور فيما خفي من أعمال تخريبية تشارك فيها هذه الوسائل بطريقة أو بأخرى، ولو لاقت الدعم الرسمي والشعبي فسوف تشهد الثورة- التي لم تكتمل بعد- انطلاقة كبيرة، نحو غدٍ أفضل ومستقبل يبشر بخير كبير.. والله المستعان.