كلما جاء يوم 4/4 تذكرت يومًا من أيام الله قدر الله لنا فيه ابتلاءً- وكل أقداره خير- يوم ابتلينا فيه بوفاة الوالد الحاني، والمعلم العظيم، والحبيب الغالي والدي الشيخ ماهر عقل رحمة الله عليه.

وفي هذا اليوم تطوف بي الذكريات، وأتذكر المواقف الكثيرة التي نقشت شخصيتي وكونت اعتقاداتي الراسخة، ذكريات بعضها يبكيك، وبعضها تنفرج منه أساريرك وتسعد به نفسك فاسمحوا لي أن أعيش معكم بعض هذه الذكريات:

1- كنا في زيارة لبعض أصدقائنا وكنت وقتها في الخامسة من عمري جلسنا نحن الصغار نلعب سويًّا بالألعاب ولما حان وقت الذهاب أخذت لعبة من صديقتي دون أن يراني أحد وفي طريق العودة أخبرتُ أختي هبة (وكانت المرشد الأخلاقي لي) وأريتها ما أخذت بعد نقاش طفولي أخبرت والدتي فقامت الحاجة ربنا يخليها وأخبرت القيادة العليا فصدر القرار قرار حاسم وصارم وفوري (فينك يا مرسي) لا بد من قطع يدك فالله سبحانه وتعالى يقول (وَالسَّارقُ والسَّارقةُ فاقْطَعُوا أَيْدَيهما........) ولا فرارَ من ذلك.

جلستُ تلك اللحظات في كربٍ شديد وأنا أنظر ليدي التي ستُقطع بمجرد وصولنا إلى البيت، وما إن وصلنا حتى دخل أبي إلى المطبخ وأحضر السكين- يلا يا أم إسلام امسكي أديها- خلاص يا بابا سامحني والله آخر مرة.. أنتم عوزيني أعصي الله لابد من إقامة الحد- معلش يا أبو إسلام طب ممكن نطلع كفارة المرة دي بس.

وبعد أخذ ورد ومناقشة للآراء الفقهية المختلفة التي وردت في الموضوع قرر أبي أن يعفو عني هذه المرة بعد أن أخذ عليَّ أغلظ الأيمان على ألا أعود، وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة لي في هذا المجال.

2- بعد نجاحي في الصف السادس الابتدائي بتفوق أحضر لي أبي هدية قيمة كانت عبارة عن مجموعة الكاتب الكبير مصطفى المنفلوطي (النظرات، العبرات، في سبيل التاج، مجدولين)، كما أحضر لي مذكرة وطلب مني أن أقرأ هذه الكتب وأرجع إليه في كل ما يصعب علي، وأن أكتب في المذكرة كل ما يعجبني من قراءتي، من أشعار وحكم ونثر.

ومن يومها تعلمت أن: - العلم صيد والكتابة قيده *** فقيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة *** ثم تتركها بين الخلائق طالقة

وكان هذا ديدني دائمًا وما زالت هذه المذكرة معي إلى الآن، فيها من العلوم التي تفتح عليها قلبي وعقلي الكثير والفضل كله يعود إلى أبي الحبيب رحمه الله.

3- وإن نسيت لا أنسى فضله عليَّ في اختيار رفيق دربي وشريك عمري د. إسماعيل حفظه الله وحماه وهو من أكبر نعم الله عليَّ، وكان أبي في زيارة لمصر وكنا نحن في الإمارات وقتها وكان إسماعيل قد تقدم لخطبة إحدى قريباتي ولكنها رفضت فقال له أبي وكان يحب أبو عمر كثيرًا: والله يا ابني لو كانت بنتي كبيرة شوية كنت جوزتها لك فقال له: وأنا موافق يا عم الشيخ.. وقرءوا الفاتحة على ذلك.

جاء أبي إلى الإمارات وأخبرني: أنا قرأت فاتحتك يا جيهان عقد قراني وأنا في الصف الثالث الإعدادي، وتزوجت بعد الثانوية العامة، وأنهيت دراستي في كلية الآداب قسم اللغة العربية وأنا في كنف زوجي الكريم حفظه الله وحماه ورزقني الله بأسماء في السنة الأولى، وعمر في السنة الثانية، وفي الثالثة جبت ملحق، وفي الرابعة رزقني الله بخلاد (جعله الله ذخرًا لنا في الجنة)، وكنت إذا غضبتُ مع أبو عمر أقول لأبي: الله يسامحك يا بابا، ولما نكون حلوين أقول له: تسلم إيدك يا حبيبي وفي مرة قال لي: اثبتي على رأي الله يسامحني ولا تسلم إيدي.

وأنا أقول له اليوم: تسلم إيدك يا حبيبي يا من أكرمتني ودللتني وأسعدتني وسترتني وأدبتني وعلمتني.. قبلة على رأسك وعلى قدميك.

4- لا زلت أذكر أبي الحبيب وأذكر معه حديث حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام" وهكذا عرفته ولا أزكيه على الله، والله حسيبه يشهد له كل من يعرفه بأنه كان كثير السلام على الناس لم يمش في طريق إلا سلَّم على مَن يعرف ومن لا يعرف.

ومن خصاله التي تربينا عليها الكرم فقد كان كريمًا يحب إطعام الطعام ما دخل أحد بيتنا إلا وقال: قولوا للحاجة تحضر لقمة يا بنتي.

وكان يسعد كثيرًا إذا حضرت أمي حفظها الله بعض المخبوزات أو قرص العجوة فيأخذ منها لأحبابه في المسجد بعد صلاة الفجر وهم يتلون القرآن ويرددون الأذكار.

وتعودت أن أراه يصلي قبل الفجر خاشعًا خاضعًا لله عز وجل وكانت له عادة خاصة به في وضوئه فكان يسبغ الوضوء، أما صلاته فكان يقرأ الفاتحة آية آية ويفصل بينها بسكتة قصيرة فسرتها لما تعلمت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم .." إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل: حمدني عبدي فإذا قال : الرحمن الرحيم، قال الله : أثنى علي عبدي ......." اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، ولا تخزنا يوم العرض عليك .. وتقبلنا في عبادك الصالحين .

أبي حبيبي حقًّا فاض حنيني للقياك، واعتصر قلبي لفراقك، وبكت عيني لعدم رؤياك، أشتاق لسماع صوتك ولحنان لمستك، ولدفء أحضانك في دنيا المحن، اشتقت لابتسامة الواثق بنصر ربه في زمن اهتز فيه الراسخون، احتاج قوتك في الدفاع عن الحق في وقت وقف أهل الحق وحدهم في الميدان، والباطل من حولهم يصول ويجول.. ولكنا يا أبتاه على الحق باقون، وفي طريق الخير ماضون, ولو كره الكارهون، فلأجل ذلك خلقنا ولنصرة ديننا نحيا ونموت، وسنظل ندافع وننافح حتي يأتي نصر الله ويمكن لشرعه وتكحل أعيننا برفع راية الإسلام عالية خفاقة أو نهلك دون ذلك وعندها نلقى الأحبة.

----------------

* الابنة الكبرى للشيخ ماهر عقل وأمينة المرأة بحزب الحرية والعدالة بكفر صقر