أيها الإخوان، شئنا أو أبينا، ينظر الناس إلينا اليوم على أننا قد أكرمنا الله وأصبحنا رجال دولة.
وسواءٌ كان هذا التوصيف دقيقًا أو مخادعًا فإنه يجب علينا أن نتعامل معه واقعًا مفروضًا علينا.
فيجب علينا إذن أن نتعامل بأسلوب رجال الدولة مع المواقف والأشخاص.
ويجب أن نعلم أن رجل الدولة يجب أن يتحلى بصفات عديدة؛ على رأسها ثلاثة:
1- تقبُّل النقد والاستفادة منه.
2- الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه.
3- ارتفاع سقف القيم والأخلاق.
وأحب أن أنبِّه هنا على نقطة هامة؛ هى أننا حين كنا نتحرك في المجتمع جماعةً كان خطؤنا ينعكس على الجماعة فقط، فكنا نعالجه داخل الجماعة.
أما اليوم، فإننا نتحرك في المجتمع، والجميع ينظر إلينا على أننا من يدير الدولة، سواءٌ كانت هذه النظرة حقيقية أم مزيفة.
ومن ثم، فان أي خطأ في إدارة الدولة ينعكس على كل فرد في الدولة، ومن ثم يصبح من حقه أن ينقد ويعبِّر عن رأيه فيما أصابه نتيجة هذا الخطأ.
صحيحٌ أننا –جماعةً- لا نتدخل في شئون الحكم، لكن يكفي أن يكون على رأس الدولة رئيس ينتمي فكريًّا الآن إلى الجماعة حتى نوصف بهذه الصفة: (رجال الدولة).
ويجب ألا نُصاب بالإحساس الشديد حينما ينتقدنا أحد أو ينبهنا على خطأ وقعنا فيه، أو وقع فيه الرئيس مرسي أو الحكومة تحديدًا التي من المفترض أنها تعبِّر عن مشروع الدكتور مرسي.
فإن الخطأ ليس مَعرَّة, واكتشافه والحديث فيه ليس مَضرَّة, ما دمنا نزجره لنصل إلى الصواب، وألا نأخذ كل نقد يُوجَّه إلينا على أنه نقد للمشروع الإسلامي ذاته؛ فإن من هؤلاء الناقدين وطنيون مخلصون، وليسوا كلهم أصحاب مشاريع مضادة للتيار الإسلامي.
ويتأكد علينا اليوم أكثر مما سبق أن نلتزم بأدبياتنا الشرعية والمنهجية في التعامل مع المخالف مهما كانت درجة مخالفته.
فمن أدبياتنا الشرعية، قول ربنا: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)؛ فإن الله مع علمه المسبق بأن فرعون لن يتذكر ولن يخشى، أمر سيدنا موسى أن يسمع منه ثم يتعامل معه باللين؛ اللين حيث الحجة الواضحة والرد المقنع, لا العنف والغضب الذي يدفع كلاًّ إلى التمسك برأيه دون الوصول إلى تفاهم.
وما أجمل ما قال شوقي:
غضبت فضاع أمري من يدي *** والأمر يخرج من يد الغضبان
ومن أدبياتنا المنهجية التي كثيرًا ما تعلمناها داخل الجماعة (أن نقبل النصيحة على أي وجه، وأن نقدِّمها على أحسن وجه)، وأننا نرى أن أفضل ما ينقِّي فكرنا ويصحِّح خطونا ويصوِّب رأينا، هو النصيحة والنقد البنَّاء؛ فكيف وقد صرنا اليوم رجال دولة؟! أصبحت هذه الأدبيات ألزم لنا وأحق.
ولقد كان الأستاذ حسن البنا رحمه الله يقول: «إن أمرًا بدايتُه ما نحن فيه -حيث هذا الواقع الأليم- و نهايتُه العالم أجمع -حيث نريد أن ترفرف عليه راية الإسلام- لا يتم إلا بتصحيح الخطأ وعلاج العيوب؛ وذلك بالتعارف والتآلف, والتقارب والتفاهم, والتكافل والتساند, بعيدًا عن العجز والقصور, والكسل والخمول, وعدم الاكتراث واللا مبالاة».
وكان يقول أيضًا: «إننا مريدون أحرار؛ ننبه على الخطأ ونوجِّه للصواب».
و كان يقول: «إننا نريد أن نربِّيَ النشء على استقلال القلب والشعور, واستقلال الفكر والعقل, واستقلال العمل والإرادة».
وكان يتمنى أن يلتحق بالجماعة كل فرد يمتلك هذه الصفات الأربع: «مفكر, عامل, منتج, جريء».
وكان -رحمة الله- كثيرًا ما يقول: «لسنا وحدنا قادرين».
وكان أيضًا يقول: «من فهَمنا فهو قريب، ومَن لم يفهمنا فهو غير بعيد».
فاتصلوا بالجميع، وتحاوروا مع الجميع، ولمُّوا شتات الجميع، ولا تخسروا صديقًا, و لا تفقدوا حبيبًا, ولا تعادوا أخًا, واعلموا أن ما في قدر الله سينفذ، وأن الثائرات ستهدأ، ولن يبقى إلا الود والخُلق الجميل، ووسِّع صدرك أخي وتقبَّل النقد، وإن تعدى صاحبه فاطلب منه أن يترفق وابدأ مع مخالفك بنقطة اتفاق, وإن كان الخطأ واضحًا والعيب ظاهرًا فلا تستفز الآخر بإنكارك العيب وتبريرك الخطأ, بل اعترف ثم أوضح له وجهة نظرك، واشرح له ووضح؛ فلربما كان صادقًا غيورًا أذهله حبه الوطنَ عن رؤية الصورة كاملة, فأكملها أنت له بالرفق واللين.
كل هذا الذي ذكرت، خاص بمن يتحاور، مهما كان أسلوبه في التحاور. أما من يعتدي ويحرق ويقتل فأسلوب الرد عليه موكول إلى القيادة؛ لأنها هي التي تقدر -وفق رؤيتها الواسعة- المصالح والمفاسد، وتحدد أسلوب الرد المناسب والمتفق مع الشرع والقانون.
لكن.. أيها المعارضون للإخوان، ألا ترون أن معظم نقدكم هدفه التشويه لا النصيحة, وأنكم تقدمون نقدكم بنفسية الكاره وأسلوب الحاقد, لا بنفسية المحب وأسلوب الناصح؟!
ألا ترون أنكم تكيلون الاتهامات جزافًا, و تخترعون العيوب اختراعًا, وتتبعون كل ناعق في الإعلام لتشوهوا صورة الإخوان؟!
ألا ترون أن من يتحكم في مفاصل الدولة حتى الآن، خاصةً في الأمور التي تمس حياة المواطن اليومية، هم رجال النظام السابق وما فيهم من فساد وإفساد؛ فإذا جئنا لنغير خرجتم علينا بهذا الاختراع الإعلامي: «لا لأخونة الدولة»؟!
وأصبحتم تقدمون كل مطالب الثورة على أنها مطالب الإخوان؛ فلا أنتم تتركونا نغير ونتحمل المسئولية كاملة، ولا أنتم تنصفوننا وتحمّلوا الخطأ أصحابه الحقيقيين. تطالبون بحكومة لا يكون الإخوان أغلبية فيها، ثم تنتقدون وتسخرون من مشروع النهضة.
ألا ترون أننا بشر مثلكم ولنا طاقة وقدرة على الصبر والتحمل قد تنفد مع كثرة افتراءاتكم؟! تحرقون مقراتنا وتسبون قادتنا وعلماءنا؛ فإذا انفعل أحد شبابنا قلتم: أين أخلاق الإسلام؟!
وكأن أخلاق الإسلام لم تنزل إلا للإخوان!, ثم تناقضون أنفسكم؛ فإذا أخطأتم أنتم وجئنا ننصحكم برفق قلتم: هل تظنون أنفسكم وحدكم المسلمين؟! من جعلكم متحدثين باسم الإسلام؟! من جعلكم أوصياء علينا؟! كفاكم متاجرة بالدين... ومن أمثال هذه الكلمات التي تزيد الشقة ولا ترتق الخرق.
فالرفق الرفق يرحمكم الله, والإنصاف الإنصاف أثابكم الله.
واعلموا أن من كمال النصيحة، الأدبَ الجمَّ والدليلَ الواضحَ.
الأدب الجم حيث لا سب ولا شتم ولا تجريح ولا مقدمات هجومية تُشعِر من أمامك أنك كاره له, وتحفز في نفسه الرد و الدفاع, وربما مقابلة الهجوم بهجوم أقسى ومبادلة الاتهام باتهام أشد.
والدليل الواضح، فلا كلام مرسل ترددونه وراء إعلامى فاسد, ولا اتهامات جوفاء تتلقفونها من فم علماني حاقد، لكن ذكر الخطأ مدعومًا بدليل مادي حقيقي, وتوجيه النقد مصحوبًا باقتراح بناء وبديل واقعي.
وأخيرًا.. أظن أنه لن يتخلف أحد من المؤيدين ولا من المعارضين عن ترديد هذا الدعاء معي: اللهم احفظ مصر وأهل مصر, اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم احفظ عبدك محمد مرسي ووفِّقه إلى خير البلاد والعباد.. اللهم أَجْرِ الحق على لسانه، والخير على يديه، وافتح له قلوب الناس.. اللهم انصر به دينك وكتابك وسنة نبيك.. آمين.