الاهتمامات أمر خطير في حياة الأفراد والشعوب، فهي كما قيل " المحور الأساسي الذي يصنع مستقبل الإنسان، ويرسم خطط إنتاجه وعطائه حسب نوع الاهتمام الذي يشغله في حياته".
وإذا أردنا أن نرى اهتمامات عظيمة فعلينا بالجيل القرآني، فهاك حديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل.
فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة.
قال: أو غير ذلك؟
قلت: هو ذاك.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود" رواه مسلم.
يقول أ صخر الغزالي: "والمتلمس لحياة المصلحين والعلماء والمفكرين والعباقرة والنوابغ عبر التاريخ سيجد بلا شك اهتمامات عالية وذات رؤية واضحة وفريدة في الطموح للوصول إلى الغاية والهدف المنشود لهم في الحياة، ولا يكاد يوجد شخص واحد يحمل رسالة في الحياة وهدفًا وغاية دون أن تكون له اهتمامات يسعى من خلالها للوصول إلى تلك الغاية أو الإعداد المبكر وتهيئة الأجواء لتحقيق هدفه وغايته، لأجل هذا نتحدث عن الاهتمامات وأهميتها وصناعتها وبعض المعوقات التي تواجه اهتمامات الناس اليوم".
وانظر إلى هذا البون في اهتمامات هؤلاء:
* رُمى أحد الصالحين بين براثن أسد جائع فأنجاه الله منه فقيل له: فبم كنت تفكر؟!.. قال: أفكر في لعاب الأسد هل هو طاهر أم نجس.
* انقلب قارب في البحر فوقع عابد في الماء فأخذ يُوضئ أعضاءه عضوًا عضوًا.. فأنجاه الله من البحر فسُئل عن ذلك.. فقال: اجتهدت أن أتوضأ قبل الموت لأكون على طهارة.
* أشار الإمام أحمد في سكرات موته إلى تخليل لحيته بالماء وهم يوضئونه.
* وهذا نموذج لسقوط الاهتمامات: فعن عمر بن الخطاب: لما كان يوم خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد.. حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد.. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- " كلا إني رأيته في النار في عباءة غلّها" رواه مسلم.
وكتب أحد المبدعين عن الاهتمامات في حاضرنا: "فأين اهتمامات الناس اليوم من اهتمامات رجال المسلمين الأوائل؟! بل أين اهتماماتهم من اهتمامات نساء المسلمين وصبيانهم، الذين تلقوا جيش خالد بن الوليد بعد رجوعه من غزوة مؤتة ونجاة خالد بثلاثة آلاف من المسلمين من مائة ألف من الروم وانحيازه بهم إلى المدينة؟! تلقاهم النساء والصبيان يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، أفررتم في سبيل الله. ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى".
ويعنينا هنا ذلك الموقف منهم في تلقي الجيش بهذا الاستقبال، وما فيه من دلالات على رفعة اهتماماتهم في الحياة، وإدراكهم أن اهتمامهم الذي يحيون له هو إعلاء كلمة الله، وأن ذلك أغلى وأعز من الأزواج والآباء.
فلما تخلى المسلمون عن اهتماماتهم الكبيرة، كان ولا بد أن ينحط العالم بانحطاطهم، ويخسر بذلك خسارة فادحة، وتنمو وتترعرع الاهتمامات التافهة، إذًا أين للعالم بالاهتمامات الرفيعة وأصحاب الاهتمامات الرفيعة قد ناموا وتخاذلوا، وفقدوا ميزتهم وعملهم الذي ابتعثهم الله من أجله".
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية.