أودع الله في النفس البشرية كل خصال الخير وكل خصال الشر، فمن زكي نفسه ورباها على صفات الخير فهو السعيد السديد، ومن ترك لها العنان لتنمو على خصال الشر فهو الطريد البعيد، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (سورة الشمس 7-10).
يقول ابن القيم في كتاب الفوائد : " في النفس كِبْرُ إبليس، وحَسَدُ قابيل، وعُتُوُّ عاد، وطغيانُ ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبَغْيُ قارون، وهَوَى بلعام، وحِيَلُ أصحاب السبت، وجَهْلُ أبي جهل، وفيها من أخلاق البهائم : حِرْصُ الغراب، وشَرَهُ الكلب، ورُعونة الطاووس، ودَناءة الجُعْل، وعُقوق الضَّبّ، وحِقْدُ الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفِسق الفأر، وخُبْثُ الحية، وعَبَثُ القرد، وجَمْعُ النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، غير أن مجاهدة النفس تُذهب ذلك ".
إذن فالنفس البشرية فيها طبائع إنسانية - بخيرها وشرها - وكذلك طبائع حيوانية، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، أو كما قالوا : الطيور على أشكالها تقع. ولهذا كان لكل نظام سياسي أنصار، فإذا صلح النظام السياسي، أصلح معه أنصاره ورباهم على القيم الإنسانية الصالحة، أما النظام السياسي المستبد فلا يلتف حوله إلا أصحاب المصالح ذوو الطبائع الحيوانية.
وإذا أسقطنا هذه الحقائق على الحالة المصرية، نجد أنه على مدار ثلاثة عقود استطاع الرئيس المخلوع أن يبني نظاما استبداديا، لم يستحوذ فقط على صناعة واتخاذ القرار، بل استحوذ على الممارسة السياسة ذاتها، فكان يتحكم في تعيين رؤساء الأحزاب وكبار وصغار الموظفين حتى العمد وشيوخ الغفر في القرى، تُغير الحكومة ولا يعلم أحد لِمَ تُغير، ويأتي وزير ويذهب آخر، ولا يعلم أحد لماذا جاء من جاء وذهب من ذهب، كان القرار السياسي حكرا على رأس النظام وعائلته فقط . أمام هذا الاستبداد انقسم الناس إلى ثلاث فرق، الفريق الأول أصحاب الهوى، وأصحاب الطبائع الحيوانية الأرضية، التفوا حول النظام وناصروه بل أعانوه على استبداده، الفريق الثاني أخذ على عاتقه مقاومة الاستبداد مهما كلفه الأمر من تضحيات انطلاقا من أن ذلك هو أفضل الجهاد، الفريق الثالث وهم عموم الناس آثر السلامة واكتفي بدور المتفرج ما دام يستطيع تدبير قوت يومه وليلته ولو بشق الأنفس .
نجح النظام باستبداده في القضاء على المشهد السياسي وفرض حالة الانسداد السياسي، استخدم في ذلك سياسات عدة، منها سياسة العصا والجزرة مع الفريق الأول، ولأنهم أصحاب الطبائع الحيوانية اختاروا الجزرة، فتخلى اليساري عن يساريته مقابل مقالة تُنشر له في جريدة الأهرام بعدة آلاف من الجنيهات، وتخلى المناضل عن نضاله مقابل تعيينه رئيس تحرير لجريدة توزيعها لا يتجاوز أصابع اليدين، وعدل القاضي عن عدله مقابل منافع أرضية أو تعيين أولاده في سلك القضاء .أما الفريق الثاني وهم أصحاب الطبائع الإنسانية فقد مارس معهم سياسة العصا بدون أي جزرة، وذلك لأنهم أصحاب غايات، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم،فكان نصيبهم الاضطهاد والاعتقال والحرمان من الوظائف العامة علاوة على إرهابهم من زوار الفجر ( وما أدراك ما زوار الفجر )، كما حقق نجاحات باستخدام سياسة فرق تَسُد، فنجح في تقسيم حزب الوفد إلى وفدين ( وفد أباظة ووفد جمعة)، وحزب الغد إلى غدين ( غد أيمن نور وغد موسى مصطفي موسى)، وحزب العمل إلى عملين ( عمل إبراهيم شكري وعمل حمدي أحمد)، وكذلك حزب الأحرار إلى أحرارين (أحرار حلمي سالم وأحرار طارق درويش )، وقس على ذلك، ولكن فشلت هذه السياسة في تقسيم الإخوان إلى إخوانين، واستعصت جماعة الإخوان المسلمين على الكسر وعلى الانقسام.
وحتى تتضح الصورة أكثر، فإنه قبل الثورة، وفي أحد البرامج على قناة الصفا، مقدم البرنامج -الأستاذ جمال عناية – يسأل الضابط المسئول عن ملف الإخوان المسلمين بأمن الدولة : متى يقف الصراع بين الدولة والإخوان ؟ فأجاب الضابط : عندما يُثبت الإخوان أنهم وطنيون، فيسأل المذيع : ومتى يكون الإخوان وطنيون ؟ فأجاب الضابط : عندما يسمحون لنا بتكوين مجالس إدارتهم ! أي عندما يكونون مثل غيرهم من المعارضين المستأنسين، أو الذين يمثلون دور المعارضة.
هكذا وببساطة كان النظام يتحكم في تحديد الممارسين السياسيين في عهده، وهكذا كانت طبيعة الصراع، فريق يصارع الاستبداد ويسعى لتغييره ويدفع ضريبة هذا التغيير، وفريق آخر استسلم وداهن النظام وشاركه حفلاته وموائده، فكان في الصباح نراه ونسمعه يعارض النظام، وفي المساء يكون أكيله وشريبه، في تمثيلية هزلية ممقوتة .
وجاءت ثورة 25 يناير، واستطاع الشعب المصري بكل فصائله وطوائفه القضاء على حقبة الاستبداد، وخلع رأس النظام، ثم جاء رئيس مدني منتخب ينتمي إلى الثورة والثوار، وينتمي إلى الفريق الثاني الذي جاهد لفترات طويلة ضد استبداد النظام ودفع من حريته ضريبة لذلك، وحرص على الحفاظ على المد الثوري فأقسم اليمين في الميدان وبين الثوار، وعمل على تهيئة المناخ لحرية التعبير، وإنهاء حالة الانسداد السياسي ، والتحول نحو بناء مؤسسات الدولة وإعداد دستور جيد يليق بالبلاد، يحافظ على الحريات ويحث على المشاركة الإيجابية في المشهد السياسي، ويدعم المجتمع المدني ودوره في البناء، وفتح باب الحوار مع الجميع، وأحسسنا أخيرا بنسمات الحرية تهب على مصر .
إن أي نظام صالح يسعى إلى أن تكون الرعية كالخيل، إذا خُدمت خَدمت، وإذا ضُربت شرست، يربي فيهم القيم الإنسانية ويقضي على الطبائع الحيوانية، يقوم بإعداد أصحاب المبادئ الذين يعملون ليل نهار من أجل إعلاء المصلحة العامة، ويعدّ رجالا قادرين على بناء نهضة حقيقية للبلاد، رجالا يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، لا يعتمد على سياسة العصا والجزرة، ولكن يعتمد سياسة الثواب والعقاب، والموازنة بين الحقوق والواجبات، ومبدأ ما عند الله خير وأبقى، سياسة الرجل الْمُناسب في المكان الْمُناسب، وليس مبدأ الرجل الْمِناسب في المكان الْمُناسب .
مع هذا المشهد الجديد المبشر بالخير، كنا نظن - وليس كل الظن إثم – أن هذا المناخ الجديد سيساعد هؤلاء الذين رباهم النظام السابق على الطبائع الحيوانية والحرص على مصالحهم الخاصة في أن يتخلوا عن هذه الطبائع، وأن يعودوا إلى صفوف العمل والبناء وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، إلا أن الممارسات على الأرض - من غالبيتهم - كانت غير ذلك.
لقد رأينا ممارسات غير سياسية من بعض الفصائل السياسية التي كنا نعول عليهم في البناء وتقديم نموذج لنخبة واعية ومخلصة لوطنها، واستغلال المناخ السياسي الجديد في إظهار قدراتهم السياسية وعرض مشاريعهم الإصلاحية وشرح أفكارهم الأيديولوجية، وتدريب الشباب على الممارسات السياسية الصحيحة، والمشاركة في إدارة التحول الديمقراطي لنهضة البلاد؛ رأينا بعضهم – وقد غلبت عليهم طبائعهم الحيوانية – يحثون على القتل والحرق، حتى إننا رأيناهم في الفضائيات يحرقون الشجر الأخضر أمام مقر جماعة الإخوان المسلمين بالمقطم، علاوة على الإجرام والبلطجة التي وصلت إلى حد القتل والجرح لنشطاء مسالمين ، ولا يشعرون بأي حياء أو بأي نوع من الخجل حينما يخرجون عقب ذلك ويتحدثون إلى الناس بوصفهم وطنيين وثوارا، متناسين ماضيهم المؤسف وحاضرهم المخزي . وهؤلاء هم أقرب شيء إلى طبائع صراصير دورة المياه، حيث وجدناهم في العهد السابق مستسلمين للظلم ولم نسمع لهم صوتا له قيمة أو أثر، وفي العهد الجديد وعلى الرغم مناخ الديمقراطية والحرية المتاح للجميع، رأيناهم قتله وبلطجية، يرفضون أن يعيشوا في النور وأن يستلذوا الكسب الحلال.
إنهم رجال النظام القديم حتى وإن كان بعضهم يرتدي ثياب المعارضة ؛ لزوم إتقان التمثيل وسبك المشهد، إنهم الركام المتبقي من عصور الاستبداد والفساد، إنهم الامتداد الطبيعي لذلك النظام الفاسد، الذي كان كالسرطان يعدي السليم، ويستشري في كل ناحية من نواحي الحياة .
لقد أكد هذا الفصيل –بأدائه - قاعدة أن لكل نظام رجاله، فإذا صلح النظام صلح رجاله، وإذا فسد غلب على رجاله الطبائع الحيوانية، يعمل النظام المستبد على حيونة الإنسان؛ أي تحويله إلى حيوان، فالمستبد يسعى إلى أن تكون رعيته كالأغنام دراً ونفعاً أو كالكلاب تذللاً وتملقاً، فهؤلاء لا يصلحون في البناء، وينشطون في الهدم والتدمير والتخريب، ولا يأتي من ورائهم أي خير ( مثل صراصير دورة المياه لا يُعقل أن نظن أن يأتي منها أي خير)، ولهذا الفريق نذكره بقول الله عز وجل إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (سورة يونس 81). أما فريق القيم الإنسانية الذين رأيناهم ووجدناهم في حملات إنسانية، مثل حملة معاً نبي مصر، فعلي هؤلاء الأمل معقود، ونذكرهم بقول الله عز وجل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا(سورة الكهف 30). وللجميع نقول إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله، فانظر فيما أقامك الله – وفق الله الجميع في المساهمة في نهضة مصر المنشودة، (وَأَن ليْسَ لِلْإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (سورة النجم 39-41).
-----------
* أستاذ مساعد – جامعة المنصورة
دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية