إن مرحلة التكوين هي أخطر اللحظات في تاريخ الأمم لو أنك تبني دولة من العدم لكان الأمر هينًا أما وأنت تعيد تكوين دوله في رصيدها البشري 90 مليون نسمه وتحمل إرثا من الفساد لثلاثيين عامًا وإعلامًا لا يملك إلا أدوات الانحلال والسقوط وتزييف الحقائق جاهدًا لمصادرة الإسلاميين أن ينجحوا في تجربتهم الأولى والخوف على مصالح النظام البائد وخوف رموزه من المحاكمات العادلة، وليست الهازلة مثل الذي نراه اليوم وشعب أطلق تطلعاته إلى الأمام وبات سقف طموحه أسرع مما يمتلكه صاحب القرار من آليات وأدوات ومن وراء هذا وذاك قوى عالمية لا يسرها أن تستعيد مصر دورها، وريادتها وقيادتها التي عرفت بها على مر التاريخ، وفي هذا ما يشكل تحديًا لهم، وخطرًا يهدد مصالحهم، وفرصة لصعود مارد جديد في المنطقة من شأن خروجه وبروزه أن يعيد تشكيل المنطقة والعالم، وأن يغير الأولويات والتوازنات، وأن يجعل الجميع يرتب أوراقه ترتيبًا جديدًا.
تأتي اللحظات العصيبه في حياة البلاد وتصدير الأزمات إلى قصر الرئاسة حينما يواجه الرئيس حمل وعبء اقتلاع الأشواك من الطريق ليؤسس لدولة تستطيع أن تعود لمكانتها سريعًا، فعامل الوقت بات يصارع الرجل ومع معارضة لم تفطن أنها تعاني من المراهقة السياسية أو تدرك تغيرات وضرورة المرحلة الانتقالية هنا تزداد الأحداث صعوبةً حول الرئيس الذي يأتي بعيون مؤمنة، تطل رغم آلامها على أوضاع هذه الأمة، بكل شفقة وحب وبكل القلق وهي ترى أن المستقبل يحمل آمالاً كبيرة وأهدافًا يجد أنه يستطيع أن يصنع غذاء ودواء وسلاح وطنه، وهو بذلك يتعدى خطوط الطموح التي يتوقعها المجتمع الدولي.
تُعد إدارة الأزمات من أهم وأخطر المشكلات التي تواجه الرئيس مرسي على وجه العموم، فإدارة الدولة على المحك دائمًا، وتدبر له الأزمات باستمرار، وفي ظل غياب الأطر المؤسسية القانونية في المرحلة الانتقالية، فإن إدارة الدولة في ظل عقبات وأزمات إدارية أو أمنية أو سياسية حتى ولو حاول أن يعمل في ظل الأطر القانونية القائمة، أو أن يحصل على "صك" القانونية إلا أن ما يعانيه الرجل يصعب على حملة الرجال.. إلا أن الثقة في نصر الله: يقول الله عز وجل: (لّيّنصٍرّنَّ اللَّه مّن ينصره) (الحج: 40)، هو ما يجعل الرجل أكثر طمانينه في أخذ قراراته بعد أن أوجد لمصر مدنيتها.
وضوح الهدف:
فتحديد الهدف ووضوحه مطلوب عمومًا، وخاصة عند الأزمات، ليعرف الإنسان على أي شيء سيثبت أو من أجل أي شيء سيضحي حينما أرى الرئيس يصل بقرار صناعه الدستور إلى خط النهائية وحريصًا على استكمال مؤسسات البلاد واستحقاقاتها الدستوريه وحينما يواجه ادعاءات بإفلاس البلاد وانهيار الاقتصاد وتشويه ممنهج بأن المصرييين لن يتقاضوا حتى رواتبهم ويصبر الرجل ماضيًا في خط مستقيم إذا فإنه يدير الأزمة بوضوح أهدافه وحينما نجد علاقات طيِّبة مع السعودية وقطر والصين وتركيا ودول شرق آسيا ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي، خاصةً ألمانيا وإيطاليا ودول حوض النيل الإفريقية وإيران مع زيارة للأمم المتحدة أوضحت لكل العالم التحوّل الديمقراطي والاقتصادي المصري الحالي. وأخيرًا مع روسيا التي أعادت لمصر اجندة دولية متقدمة، إضافة لتحييد بعض الدول المتربِّصَة، مع الانتصار السياسي في معركه غزه ليعبر على أن الرجل يمتلك آفاقًا غير محدودة في أبعاد ورؤية إدارة الأزمات، إلا أن الرئيس مرسي جعلها محور إدارته للأزمات طريقة التصرف والإشارات التي يرسلها القائد للآخرين دون أن يتحدث إليهم.
تلك عبقرية الرئيس التي أعادت للشارع نمطًا من الهدوء الذي يريده الرئيس ليجعل لنفسه أجواء يستطيع أن يدير بها شئون البلاد في وقت طالبه فيها الجميع أن يكون أكثر قوةً مع حالات الانفلات في الشارع إلا أن الرئيس يثبت يومًا بعد يوم أنه يمتلك رؤية بعيدة فاقت مؤيديه ومعارضيه، وأنه يمتلك عبقرية إدارة وصناعة الأحداث.
----------
الوادي الجديد- الخارجة.