بلا شك، وبعيدًا عن المشكلات اليومية الناتجة عن عقود من الفساد، تفتح الثورات العربية الباب أمام الأمة لتسلك طريق النهضة التي كانت الأنظمة المستبدة العقبة الكأداء في طريقها بما تكرس في المجتمعات من ممارسات تناهض أي تطور أو رقي وتجهض أي محاولة للإصلاح أو التقدم أو على الأقل لا تهيئ المناخ المناسب لأي تطوير.
الآن وبعد أن بدأت المناخات تتهيأ للإبداع والتطوير والابتكار أو على الأقل بدأ المواطن يشعر بقيمته وبرأيه هل آن الأوان أن نفكر في نهضة شاملة لبلادنا وانتشالها من مستنقع التخلف الذي عاشت فيه قرونًا بفعل تآمرات الغرب وخيانات الأنظمة المستبدة.
لم لا نفكر في النهضة وقد وعدنا الله بالنصر والتمكين في الأرض (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) "النور:55".
ليس التمكين العسكري هو المقصود فقط في هذه الآية ولكن أيضًا التمكين الاقتصادي والسياسي والعلمي والتكنولوجي وفي كل مجالات الحياة ونتيجة هذا التمكين لا بد أن تنعكس على المواطن بالرفاهية والرخاء والسعادة في الدنيا قبل الآخرة "..وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا" صدق الله العظيم.
والإرادة وحدها لا تكفي حتى تنجز الأمة النهضة المرتقبة التي نتمناها، فالأمر يحتاج إلى عمل دءوب وسعي وكفاح طويل تستبين الأمة فيه الطريق وتتفادى العقبات وتركز نحو الهدف المنشود.
هناك مجموعة من القيم المقدِمَة لهذه النهضة الشاملة لا بد أن يتحلي بها المواطن حتى يتثنى لنا أن نقول إن ثورة الفكر والسلوك لحقت بثورة الغضب في الميادين وبدونها فقد فقدنا أهم عنصر من عناصر البناء والتنمية ألا وهو الإنسان نفسه ومنها:-
1) احترام العقل: احترام العقل الذي كرمنا الله به ويدعونا دومًا لإعماله "أفلا تعقلون" "أفلا تتفكرون" "ثم تتفكروا" "ولكن المنافقين لا يعقلون".
وعند غياب العقل أو تعطيله تنتشر الشائعات والخرافات وتهيمن الأساطير وتسيطر الخيالات والأوهام على الناس فلا يدرون الأسباب من النتائج ولا المدخلات من المخرجات ولا الحق من الباطل، كما حدث في أكثر عصور انتكاسة العقل البشري في العصور الوسطي في أوربا طيلة قرون من الزمان حتى استفاق العقل الأوربي في هذا الظلام الدامس على الحضارة الإسلامية "الأندلس غربًا وفي القسطنطينية شرقًا" التي أذهلت العالم بالعلم والتقدم واحترام العقل الإنساني فبدأت أوربا تسلك الطريق.
2) التفاؤل وحب التجربة: الإحباط يدعو إلى الخمول والكسل، أما التفاؤل فيدعو إلى العمل والجهد والبناء، شأن المتفائل هو التأكد أن الله سينجز له ما يريد طالما أنه اجتهد وأخذ بالأسباب "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا" أما المحبط اليائس البائس فلا يجد ضرورة لأن ينهض أو يقوم من مكانه بدعوى أنه لا فائدة قال تعالي "وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ " "التوبة: 46".
يجب ألا نخاف من التجربة ويجب ألا نرضى بالأمر الواقع، خاصة إذا كان سيئًا بدعوى الخوف من الخطأ أو الخسارة التي تنتظر المخطئين، بل يجب علينا الاجتهاد فالمجتهد إن أخطأ فله أجر.
التفاؤل يدعو إلى التجريب والتجديد بغية الوصول إلى الأفضل دائمًا حتى لو كانت هناك أخطاء لا تثبط من العزيمة بل تكون دافعًا إلى الاستمرار طالما توافرت روح التحدي (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) "التوبة:105".
3) حب الدنيا: تعودنا ألا نتكلم عن الدنيا إلا بالذم والاحتقار والتخفف منها وعدم الركون والتثاقل إليها، ولكن القرآن والسنة عندما أمرانا بهذا لم يكن القصد أن نتركها لأعدائنا ولكن كان القصد ألا تكون في قلوبنا فتقعدنا عن العمل وتنسينا المهمة التي خلقنا الله من أجلها وهي عبادة الله وعمارة الأرض على منهجه.. لذا يجب علينا أن نتصرف ونعيش وكأن هذه الدنيا ملك يميننا نعمرها ونعبدها لله عز وجل.
أما الانصراف عنها والزهد في عمرانها وتنميتها بدعوى الزهد فتلكم هي الرهبانية الممقوتة الغريبة عن الإسلام، وبالتالي يجب أن تكون الدنيا هي بداية الطريق الذي ينتهي النهاية السعيدة.... قال تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) "آل عمران:133".