أما شيخ فلسطين فهو العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، بارك الله في عمره ونفع بعلمه؛ فقد استحق فضيلته هذا اللقب بكل جدارة؛ فما من مناسبة أو حوار أو لقاء إلا ويذكِّر بقضية فلسطين وواجب المسلمين كافة نحو فلسطين وأهلها؛ يدعمهم بالكلمة وبالقلم، يدعو إلى النصرة وإلى تحرير الأقصى من أيدي الصهاينة الغاصبين، يندد بأفعالهم وممارستهم الهمجية ضد شعب أعزل لا يملك إلا الصمود والتمسك بحقوقه والدفاع عن أرضه وعقيدته وهويته؛ ما أغاظهم ودفعهم إلى التهديد بقتله، والشيخ لا يحيد عن طريقه ولا يعدل عن طريقته؛ لا يهتم بتهديد ولا يأبه لوعيد.
وأما الأسد الهصور فهو العالم المجاهد المناضل الذي ضحى بوقته ونفسه وعائلته في سبيل قضيته ووطنه وعقيدته؛ فعن علمه فهو أستاذ في الجامعة الإسلامية بغزة، له دروسه العامة في الأحاديث والسنة، وعن جهاده فقد عاش مجاهدًا وسط إخوانه مدافعًا عن بلدته، شاهدنا له فيديو باللباس العسكري حاملاً سلاحه بيده، يؤكد أن المحتلين الصهاينة لن يستطيعوا اجتياح بلدته (جباليا) ويناضل مع إخوانه المجاهدين ويصمد في وجه الآليات والمعدات حتى ييأس المعتدون من الدخول فيعودوا خزايا مهزومين، وقد قاد خلال سنوات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة حملة شعبية منظمة هدفت إلى منع استهداف المنازل الفلسطينية بالصواريخ بتشكيل دروع بشرية، وكان يصعد مع مئات المواطنين إلى أسطح البنايات مرددين التكبيرات في تحد واضح للاعتداءات الإسرائيلية.
وعاود الصهاينة محاولة اجتياح قطاع غزة عام 2009، لكن في هذه المرة بالقتال عن بُعد بالقذف بالطائرات وإمطار البلدة بالقنابل- فيما سُميت بعملية الرصاص المسكوب- وحاول العدو بث الرعب في قلوب الأهالي والمواطنين ليهجروا بلدهم ويفروا منها وينجوا بأنفسهم وأولادهم، والشيخ يبث الطمأنينة في نفوسهم ويدعوهم إلى الصمود في بيوتهم وعدم تركها ومغادرتها. ولا يكتفي بالقول فقط، بل يكون أول الصامدين، ويختاره الله هو وأولاده التسعة وزوجاته الأربعة شهداء- إن شاء الله تعالى- في هذه الغارة. إنه العالم المجاهد المناضل المضحي الشهيد الدكتور نزار ريان.
والجامع بين العظيمين في هذا المقال، أمران: الأول منهما زيارة الدكتور القرضاوي إلى غزة (أرض العزة) التي كان لي شرف زيارتها بعد خروج الصهاينة منها في التاسع من سبتمبر 2005 بعد احتلال دام ثمانية وثلاثين عامًا، وقضيت أول ليلة في مسجد عمر بن الخطاب في قلب غزة بين المجاهدين يقصون بطولات شعبهم وشجاعة قيادتهم، وأرونا لقطات فيديو لبعض عمليات أبناء القسام. والمسجد مفتوح طوال الليل والنهار، كخلية نحل المجاهدون بأسلحتهم لا يتركونها ثانية، يغدون ويروحون.
وبعد كرم الضيافة والاستئناس بالحديث، طلبت من مضيفي أن يحاول تيسير مقابلة الدكتور الزهار للقائه والسلام عليه، فأخبرني أن الأمر أهون من ذلك بكثير: "ما عليكم إلا أن تذهبوا إلى منزل الدكتور في تل الإسلام" (وهذا اسم الحي الذي يسكن فيه الدكتور الزهار. وقال محدثي إن اسم الحي القديم كان "تل الهوى" ثم غيَّر الشيخ أحمد ياسين اسمه إلى تل الإسلام). وكان الأمر بهذه السهولة؛ استقبلنا الدكتور بحفاوة وكرم- من غير سابق معرفة ولا ترتيب- ثم دعانا للذهاب معه لرؤية الحدود الشمالية لقطاع غزة ورؤية الأعداء الصهاينة من وراء الأسلاك، وتأدية صلاة الجمعة في المغتصبة المحررة في شمال البلاد هناك، ووصلنا فعلاً إلى جباليا، وهناك استقبلنا الدكتور نزار هو وإخوانه. وخلال الزيارة حضر الوفد الممثل لـ"الأطباء العرب" وعلى رأسهم الدكتور جمال عبد السلام والدكتور خالد حنفي.
وفي كلمة رحب بها الدكتور نزار بالوفد، وفي أثناء هذه الكلمة قال: "إن أحق الناس بالاستقبال على أرض غزة اثنان: فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين، وفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي؛ لأنهما كانا يعشيان معنا قضيتنا"، ووجه الشكر والتقدير إليهما.
هكذا كان تثمين الدكتور نزار لجهود الدكتور القرضاوي ومواقفه. وهذا جانب من عظمته؛ فلا يحفظ الفضل لأهله ويعلنه للكافة إلا عظيم، لكن أين الدكتور نزار من هذه الزيارة الآن؟! لقد سبق إلى الشهادة. وهذا هو الجامع الآخر بين الاثنين: حب الشهادة؛ فمن دعوات الدكتور القرضاوي الدائمة أن يتوفاه الله شهيدًا.
وها هي أمنية الدكتور نزار تتحقق ويذهب الدكتور القرضاوي لزيارة غزة وأهلها؛ فمتى تتحقق أمنية الدكتور القرضاوي بإلقاء خطبة الجمعة من فوق منبر المسجد الأقصى المحرر.. قريبًا إن شاء الله؛ فما ذلك على الله ببعيد (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا).