شاءت إرادة الله تعالى أن تكون نصوص القرآن والسنة منها المحكم المحدد الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا وحكمًا واضحًا وهي قليلة معدودة، ومنها الذي ينطوي على وجوه عدة ومضامين كثيرة، وهو مجال خصب لعمل العقل وفهم عميق للغة ودراية واسعة بالواقع وقدرة على تنزيل النص الإلهي على الواقع ومستجدات الأحداث؛ لتبقى الشريعة الإسلامية حية مرنة قادرة على تحقيق مصالح العباد ودفع الفساد؛ فحيث كانت المصلحة كان شرع الله تعالى.
ومن هنا كان حديثنا حول الاجتهاد وإعمال العقل في نصوص الشريعة وأثر المتغيرات في الأحكام كالزمان والمكان والأحوال وتحديد المصالح والمفاسد والموازنة بينهما.
أولاً: تعريف الاجتهاد
أولاً : لغة هو بذل الجهد واستفراغ الوسع.
واصطلاحًا: فقد عرفه الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول": "بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط".
ومن التعريف يتضح:
أن معرفة حكم الله تعالى في نازلة ما لم ينُص عليها ولم يرد فيها دليل قاطع أمر يحتاج في استخراجه إلى جهد جهيد وعمل شاق ومؤهلات عقلية وخلقية لمن يقوم بها، على الرغم من أن الاجتهاد عمل بشري قد يعتريه الخطأ ويقع فيه الخلل، ومع ذلك فقد اعتبره الشارع الحكيم طريقًا لمعرفة الحق وسبيلاً لهداية الناس ومعرفة الحلال والحرام وما يتعبد الناس به، وفي هذا تكريم للعقل وإعلاء من شأنه.
أنواع الاجتهاد
الاجتهاد الفردي:
يقوم به عالم استجمع بين جنبيه علوم الشريعة واللغة ومعرفة كاملة بحال الناس وبصرًا نافذًا بزمانه مع تقوى عاصمة من الهوى والميل إلى نزغات السلطان وغوايته، وقد اتسعت اجتهادات العلماء وامتدت إلى كل شيء حتى منتصف القرن الرابع الهجري حتى نادى بعض العلماء بإغلاق باب الاجتهاد، كالغزالي والقفال والرازي؛ حيث انتشرت البدع وكثر أدعياء العلم الذين يفتون بغير بينة ويتكلمون بغير حجة.
الاجتهاد الجماعي:
وهو: استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعًا أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور؛ ففي قولهم في التعريف: "اتفاقهم جميعًا أو أغلبهم" بيان للفرق بين الاجتهاد الجماعي والإجماع، فالإجماع يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، بينما الاجتهاد الجماعي يكفي فيه اتفاق مجموعة من العلماء المجتهدين أو أكثر العلماء المجتهدين، ولا يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين، إذ لو تم هذا كان ذلك إجماعًا، وأيضًا يكفي في الاجتهاد الجماعي اتفاق أغلب المشاركين في الاجتهاد.
وقوله: "بعد تشاورهم" فيه بيان بأن الاجتهاد الجماعي لا بد أن يكون الحكم الصادر عنه قد أتى بعد تشاور أولئك العلماء وتبادلهم للآراء، وتمحيصهم للأفكار، ومناقشتهم للأقوال بطريقة شورية، من خلال وسيلة يحددونها "كالمجالس أو المجامع أو المؤتمرات أو غير ذلك" أما إذا حدث توافق بين آراء مجموعة من العلماء في حكم شرعي، وكان ذلك دون سابق تشاور بينهم حول ذلك الحكم، فإن هذا ليس اجتهادًا جماعيًا، وإنما هو توافق في الاجتهاد.
أهمية الاجتهاد الجماعي:
يحقق هذا النوع فوائد ضخمة ومصالح جمة من أهمها:
• أنه يحقق مبدأ الشورى بتبادل الآراء وتمحيص الأفكار وتقليبها على كل الوجوه والوصول إلى رأي متفق عليه أو ترجيحه بالأغلبية يقول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: آية 38) وقال أيضًا: (وشاورهم في الأمر).
وكان الخلفاء الراشدون إذا لم يجدوا الحكم في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون رءوس الناس وخيارهم إلى التشاور في الأمر والنظر فيه.
• في الاجتهاد الجماعي يكثر فيه العلماء وتتعدد وجهات نظرهم وتتمحص أحكامهم ويتناولوا الأمر من كل أطرافه فيزيلوا لبسه ويجلُّواا غامضه, ويذكروا ما قد ينسى منه وهذا ما لا يمكن أن يقوم به فرد بنفسه مهما أوتي من ملكات عملاقة ومواهب خارقة، فالشورى لها بركة والعمل الجماعي له فضله فيد الله مع الجماعة.
ومثال ذلك ما جاء في كتاب "الخراج" لأبي يوسف قال: "لما افتتح السواد شاور عمر الناس فيه، فرأى عامتهم أن يقسمه، وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك. وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يقسمه، وكان رأي عثمان وعلي وطلحة رأي عمر - رضي الله عنهم - أجمعين.
وكان رأي عمر أن يتركه ولا يقسمه، حتى قال عند إلحاحهم عليه:
اللهم اكفني بلالا وأصحابه! فمكثوا بذلك أياما، حتى قال عمر - رضي الله عنه - لهم: قد وجدت حجة في تركه، وألا أقسمه: قول الله عز وجل: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا (الحشر: 8)،
فتلا عليهم حتى بلغ إلى قوله عز وجل: والذين جاءوا من بعدهم (الحشر: 10).
قال: فكيف أقسمه لكم، وأدع من يأتي بغير قسم؟ فأجمع على تركه، وجمع خراجه، وإقراره في أيدي أهله، ووضع الخراج على أيديهم، والجزية على رؤوسهم. "
وجاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «اجتمعوا حتى ننظر لمن هذا المال - حين أتي بالفيء - فلما اجتمعوا قال: إني قرأت آيات من كتاب الله فاكتفيت بها، ثم قرأ قوله عز وجل: ما أفاء الله على رسوله (الحشر: 7)،
ثم قرأ قوله عز وجل: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم (الحشر: 9)، ثم قال: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (10) (الحشر)،
ثم قال: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم»
• الاجتهاد الجماعي يسد الباب على أدعياء الفقه والفتوى الذين يهيمون في كل واد ويأكلون على موائد الحكام الظلمة والطغاة الفجرة وأعداء الأمة من كل حدب وصوب فيشوشوا على الناس أفكارهم ويلبسوا عليهم دينهم وبهذا يحقق الاجتهاد الجماعي حماية للأمة ومعرفة كاملة بشرع الله على أكمل وجه وأدق بيان
• الاجتهاد الجماعي علاج لكثير من المستجدات النازلة والقضايا العامة التي يمس أثرها الأمة فهي تحتاج إلى دقة في البحث وشمول في النظر وتمحيص في الرأي كل ذلك من خلال جمع من العلماء في الشريعة وذوي الخبرة
مجالات الاجتهاد :
• القضايا المستجدة ذات الطابع العام أو المعقدة أو المتشعبة
• القضايا التي سبق الاجتهاد فيها وتعددت الآراء حولها بين مانع ومجوز ومحلل ومحرم بين قائل بالأفضلية وآخر بالكراهة بين فقيه يرى الصواب وآخر يرى الأصوب فالأمة اليوم في أمس الحاجة إلى انتقاء وترجيح تلك الآراء بما يحقق لها مصلحتها وسلامة دينها
• مراجعة القضايا التي قامت أحكامها على رعاية الزمان والعرف والمصلحة المرسلة وغير ذلك من المتغيرات فالتمسك بها والجمود عليها قد يفوت على الناس مصلحة معتبرة وقد يلحق بهم مفسدة محتملة
العلاقة بين الاجتهاد والمصلحة :
يتضح مما سبق أن هدف الاجتهاد الأكبر والغاية العظمى منه والثمرة الحلوة له هي تحقيق المصالح ودفع المضار وإرشاد الناس إلى ما فيه خيرهم عزهم فما هي المصلحة ؟ وما هي ضوابطها وحدودها ؟
تعريف المصلحة :
عرفها الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه " المستصفى " بقوله :
" المصلحة عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة وهذه مقاصد للخلق لكننا نعني بالمصلحة : المحافظة على مقصود الشرع من الخلق وهي خمسة :
أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة"
فالمصلحة إما أن تكون معنوية كالمحافظة على الدين والعقل أو حسية كالمال والنسل
ضوابط المصلحة :
وحتى يكون مفهوم هذه الكلمة واضحا وحتى لا تكون مسوغا لكثير من أصحاب الهوى والزيغ الذين يدعون في أحكامهم وفتاويهم أنهم يراعوا المصلحة ويبحثون عن المنفعة حدد العلماء شروط المصلحة وقيدوها بأوصاف لا لبس فيها ولا غموض
وكان فقهاء المالكية أكثر من تكلم فيها وأخذا بها وضبطا لها فقالوا أن المصلحة لا بد فيها من شروط ثلاثة :
• أن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة فلا تخالف أصلا من أصول الشريعة ولا يعارضها دليل من أحكامه
• أن تكون معقولة المعنى بذاتها بحيث لو عرضت على العقول السليمة لتلقتها بالقبول لان العلل والمقاصد مؤثرة في أحكامها ولا بد ونحن نبحث عن المصلحة أن نبين الحكم والأسرار من وراءها فلا يمكن أن نقدم فتوى يدعي صاحبها أنها راعت المصلحة وتحرتها دون أن يبرهن على ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى :
" يذكر الشارع العلة والأوصاف المؤثرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أينما وجدت واقتضاها وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف أثرها عنها كقوله تعالي : " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله "
وقوله : " ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا "
وقوله : " ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم .."
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها وتعديها بتعدي أوصافها وعللها كقوله : " ( إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ).
وقوله صلى الله عليه وسلم : عندما سئل عن بيع الرطب بالتمر ؟ : " فَقَالَ : " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ " ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، " فَنَهَى عَنْهُ "
وعندما سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء ؟ فقال : " لا إنما هو بضعة منك "
• أن يكون الأخذ لحفظ ضروري أو لرفع الحرج قال تعالى : " وما جعل عليكم في الدين حرج "
اثر اختلاف الزمان والمكان والأحوال في تحقيق المصلحة :
إذا كانت الأحكام الشرعية هدفها الأول ومقصودها الأعظم تحقيق مصلحة الناس ودفع المضار عنهم في المعاش والميعاد فإن المصالح والمفاسد تختلف من زمن لآخر فما يراه الناس في زمن مضى خيرا ونفعا ويطالبون بالمحافظة عليه والدفاع عنه يراه أهل زمان شيئا عاديا يمكن الاستغناء عنه فالحاجة إليه ليست ماسة وهكذا ؛ ومن هنا كان لا بد لمن يتصدرون للفتوى ويشتغلون بالفقه أن يراعوا فروق الزمن وأن يدركوا أن ما كان واجبا في عصر مضى يمكن أن يكون حكمه الآن مستحبا وما كان ممنوعا يصبح بعد حين جائزا ومن هنا كان لابد أن يكون الفقيه وصاحب الرأي بصيرا بزمانه محيطا بملابساته مدركا لأحوال الناس قال ابن تيمية – رحمه الله تعالى – :
" إن الفتوى تتغير بتغير أهل الزمان وهذا صحيح على مذاهب العلماء من السلف والخلف "
وجاء في درر الأحكام شرح مجلة الأحكام : " إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام "
وكذلك أحوال الناس من قوة وضعف وغنى وفقر وصدق وكذب وعلم وجهل ورعاية لمحارم الله تعالى والحفاظ على حدوده أو عكس ذلك يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى - :
" فهذا – ويقصد معرفة الناس – أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه والمحق بصورة المبطل وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الكاذب في صورة الصادق وهو لجهله بالناس وأحوالهم لا يميز هذا عن هذا بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله تعالى "
وأثر اختلاف الزمان وأحوال الناس في تحديد المصلحة التي يبنى عليها الحكم وتدور معه حيث دار أصل التزمه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في فتاويه وأحكامه ومن بعده خلفاؤه وسار على هذا النهج المجتهدون الأوائل في هذه الأمة من أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم من ذوي الفقه والرأي وإليك هذه الأمثلة حتى تجلي كل غامض وتزيل كل لبس وتقيم الحجة على ما قررناه سابقا :
• إباحة الادخار من الأضحية بعد حظره :
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا "
فالنبي – صلى الله عليه وسلم – نهى أصحابه بإبقاء شيء من الأضحية لأن الناس كانوا في فقر مدقع وحاجة ملحة فلا يعقل أن يدخر أصحاب الأضاحي لأيام وحولهم إخوان لهم لا يجدون ما يقتاتون به وبعدما تغير الحال وفتح الله تعالى على الناس وزالت الشدة وانكشفت الغمة رفع النبي – صلى الله عليه وسلم – الحظر وأباح لهم الادخار ولذا قال ابن حجر – رحمه الله تعالى – في الفتح معلقا على هذا الحديث : " واستدل به على أن العام إذا ورد على سبب خاص ضعفت دلالة العموم حتى لا يبقى على أصالته .... "
وهنا نجد النبي – صلى الله عليه وسلم – قدم مصلحة الفقراء وهم كثر فنهى عن الادخار على مصلحة المضحين وهم قلة ليؤكد : أن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة
• إختلاف حكم القبلة للصائم :
روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، فجاء شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم)، قال الراوي (فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه). فالنبي – صلى الله عليه وسلم – رخص للشيخ بالقبلة وهو صائم لضعف شهوته وفتور غريزته فهو لا يخشى عليه الإثارة بينما أفتى الشاب بمنعها خوفا أن تؤدي القبلة إلى ما يبطل الصوم ويذهب بمقصوده فالنبي هنا راعى مصلحة الدين وضرورة الحفاظ عليه وأن تحقق فرائض الإسلام مقاصدها
• الاختلاف في عدد جلد شارب الخمر :
أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين ، وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال عبد الرحمن : أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر ) وفي رواية : ( جلد النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين ، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف ، قال : ما ترون في جلد الخمر ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أرى أن تجعلها كأخف الحدود ، قال : فجلد عمر ثمانين ) قال الإمام الشوكاني :
" ولم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – مقدار معين بل جلد تارة بالجريد وتارة بالنعال والمنقول في ذلك من المقادير إنما هو بطريق التخمين ولهذا قال أنس : " نحو أربعين " "
ومما يؤكد عدم ثبوت مقدار معين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن عمر طلب المشورة من الصحابة فأشاروا عليه فقد رأى أن المصلحة تقتضي زيادة عقوبة شارب الخمر لما تجرأ بعض الناس عليه واستهانوا بالجلد بالجريد والثياب والنعال وفي هذا حفاظا على عقول الناس من الهذيان والأموال من الضياع " فالخمر أم الخبائث "
• إسقاط عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم :
فهو عندما فعل ذلك لم يكن تعطيلا لنص القرآن وخروجا على أمر قضى به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واجتهادا في غير موضعه ؛ إنما فعل ذلك تجاوبا مع روح النص وتحقيقا لمقاصده حيث كان يُعطى سهم المؤلفة جذبا لقلوب هؤلاء لصف المسلمين ومحاولة لتحييدهم وأمن مكرهم حيث كان الإسلام في أمس الحاجة إلى إسكات الألسن الحداد التي مردت على النفاق وألفت روح الشقاق ؛ فلما صار الإسلام في عز وقويت شوكته وتمكنت في قلوب الناس هيبته رأى عمر – رضي الله عنه – أن التأليف بالمال لا يؤدي إلى الغاية المرجوة منه فمنعه عنهم حفاظا على أموال المسلمين وقال : " إن الله قد أغنى الإسلام وأعزه اليوم " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... "
• منع عمر الزواج من الكتابيات :
فرغم أن النص القرآني واضح في إباحة الزواج من الكتابية " الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ "
إلا أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما رأى أن الزواج منهن قد يزيد من عنوسة المؤمنات وفي هذا مفسدة اجتماعية وباب تلج منه الفاحشة فمنع الزواج فعندما تزوج حذيفة بن اليمان يهودية كتب إليه عمر : " خل سبيلها " فرد عليه حذيفة : أتزعم أنها حرام ؟
فقال عمر : لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف على المؤمنات أن تزهدوا فيهن ولا تقبلوا عليهن "
• إلزام عمر بن الخطاب بالطلاق الثلاث بفم واحد عقوبة له :
وقد كان على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – وخلافة أبي بكر وصدرا من خلافته طلقة واحدة
• إمساك عثمان ضوال الإبل رغم نهي النبي عن ذلك :
حيث أمر به عثمان بن عفان – رضي الله عنه – لما ضعفت الأمانة وصار تركها سببا لضياعها على أصحابها , ونقل عنه الإمام مالك قوله : " بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها "
على الرغم من الحديث الوارد في النهي عن إمساك ضوال الإبل كما ثبت في صحيح مسلم لأن النهي عن الإمساك كان هدفه أن صاحب الإبل إذا بحث عنها وجدها وكان الهدف من الإمساك أن يأخذها من لا دين له وكلا الحكمين راعا المصلحة
• تغير فتوى أبي حنيفة :
كان الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى – يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده اكتفاء بالعدالة الظاهرة وفي عهد صاحبيه أبي يوسف ومحمد منعا ذلك لانتشار الكذب بين الناس وفساد الذمم وخراب الضمائر ولم يعد هذا خروجا على أصول المذهب وتمردا على صاحبه
قال الكاساني نقلاً عن الحنفية: "هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛ لأن زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كان من أهل خير وصلاح لأنه زمن التابعين فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر ثم تغير الزمان وظهر الفساد في قرنهما فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة " بدائع الصنائع ج5 ص451
• ما ذكره السرخسي: أن الإمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإسلام وصعوبة نطقهم بالعربية رخص لغير المبتدع منهم أن يقرأ في الصلاة من القرآن باللغة الفارسية فلما لانت ألسنتهم وانتشر الزيغ رجع عن هذا القول ... " المبسوط ج1 ص98.