كلية الآداب-جامعة المنوفية

(1) مدخل: الأمل في الأمل!


إنساني جدًّا أن تعاود الثقافة المصرية التشبث بالمحددات الباعثة والمعينة على البناء والترقي في دروب الحياة ومسالكها. وإنساني جدًّا أن تكون هذه المحاولة النبيلة قرينة بأسباب دعم الإنسانية، بما هو مجلي تكريم السماء، على ما جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة الإسراء: 17/0].


ومن المهم جدًّا بيان معنى الأمل في المعجمية العربية؛ لأن ذلك مدخل تأسيسي في هذا السياق؛ إذ يدور المعنى حول أصول التشبث والانتظار. والرجاء هو ما رصده ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة (أ. م.ل).


ثم انتقل من بنية اللغة العامة إلى لغة الاصطلاح، ليكون معناه هو: "تعلق القلب بحصول محبوب في المستقبل"، على ما قرره غير واحد من أصحاب معاجم المصطلحيات، مثل السيد الشريف الجرجاني 816هـ، والمناوي 1031هـ، وابن كمال باشا 1060هـ، والأحمد نكري 1095هـ. واستقر هذا المفهوم في الأخلاق والفلسفة وعلم النفس، ثم رحل إلى ميادين الدعوة والحركة الإسلامية، ثم إلى ميادين علم الاجتماع السياسي، والفكر والثقافة وغيرها.


وبدت هذه الكلمة مفتاحًا لفهم كثير من التوجهات في القلب من هذه التخصصات جميعًا، وتجلَّت في صورتين كبيرتين يمكن إجمالهما فيما يلي:


أولاً- تراكم معرفي دال عليها، تراه في عدد من الكتابات المتنوعة، لأمثال وليام رايموند بيكر في كتابه "إسلام بلا خوف"، الذي يختلف في رهانه مع محمد حافظ دياب، وكذلك سيد قطب في كتابه "المستقبل لهذا الدين"، وكذلك جهود كثيرة في عدد كبير من إسهامات يوسف القرضاوي من مثل ما كتبه عن الأمل في كتابه "الإيمان والحياة"، وما كتبه عن سمة الأمل في خصائص الخطاب المعاصر في كتابه "خطابنا الإسلامي في عصر العولمة"، وغير هذه الإسهامات كثيرة لطارق البشري ومحمد الغزالي والعوا وفهمي هويدي ومحمد أحمد الراشد وغيرهم.


ثانيا- منجز حركي دافع وداعم تجلى في صورة عميقة في أحداث الربيع العربي. ولعل ذينك الملمحين يبعثان على الاعتراف بأن الأمل يبقى في التمسك بالأمل، ومصادره ومحدداته!.

 

(2) مصادر الأمل الممكنة في الخطاب الدعوي المعاصر


لقد مر الخطاب الدعوي المعاصر بمراحل كثيرة تطور فيها، وانتقل من بيئات تقليدية إلى بيئات جديدة بفعل عوامل كثيرة.


ومع هذا التطور والانتقال بدت للمتأمل والفاحص مجموعة جيدة من المصادر الأساسية يجب أن يفحصها الدعاة المعاصرون، ويدرسوها ويستخلصوا نتائجها ويتمسكوا بقيمها.
وفيما يلي محاولة لاستجماع طاقة هذه المصادر تركيزها:


أولا- مفهوم التوحيد الإسلامي أعلى مصادر صناعة الأمل:


 يتجلى الله سبحانه بما هو المركز الأعلى في الذكر الحكيم حاميًا وحارسًا وحافظًا، ورازقًا ومجيبًا وقاهرًا وجبارًا. وهذه المحددات جميعًا تمثل النقطة المحورية الأساسية التي ينبغي للدعاة المعاصرين أن يتمسكوا بها، ويديموا تصديرها إلى الجماهير في مسيرة دعم ثقافة الأمل، وترسيخ أبعادها على أرض الواقع من بعد تثبيتها في النفوس.


وهو المحدد الذي حكم ظهور مصنفات أسماء الله تعالى جلبًا لليقين الباعث على التعلق الإيجابي بالمستقبل.


لقد دأب القرآن الكريم على الإلحاح على فكرة امتلاك الله تعالى للمستقبل، وأنه وحده سبحانه المهيمن والمتصرف فيه. وهي النقطة التي تظهر هنا فتدعم الأصل القائل بولادة الأمل من رحم الإيمان بالله تعالى.


يقول تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الأعراف 7/128]، ويقول سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [سورة مريم 19/63]. وهاتان الآيتان تحملان على الإيمان المطلق بأن تعلق القلب بحصول المحبوب في المستقبل الدنيوي والأخروي طريقة الإقبال على الله تعالى.

 


إن المصدر التوحيدي والاعتقادي يعلم الدعاة المعاصرين، ويمد الخطاب الدعوي المعاصر بالحقيقة الكبرى التي تقرر أن الأمل يولد في السماء أولا.


وفي هذا السياق يقرر القرضاوي في "الإيمان والحياة" ص 159: "وفي الجانب الآخر نجد الإيمان والأمل متلازمين؛ فالمؤمن أوسع الناس أملا... إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء"!.


 ومن هنا فإن أول مصدر مؤسس لثقافة الأمل، وأعلاه في ميزان تقدير الوزن النسبي لمنظومة صناعة الأمل، كان في تمسك الدعاة بالإيمان، وتربية الجماهير الكثيرة على قيمة المصدر، وما ينتج منه من أفكار وقيم.

 

ثانيًا- القرآن الكريم مصدر مفجر لطاقات الأمل


 إن فحص القرآن الكريم يقود إلى الإيمان الجازم بتوجيهه ودعمه وتأسيسه ثقافة الأمل، والتعلق بتغير العالم تغيرًا إيجابيًّا.


 إن شعورًا جازمًا يملأ قارئ الذكر الحكيم ومتدبره يمكن التعبير عنه بعبارة جامعة تقرر أنه مفجر جبار لطاقات الأمل في عالم أنقى وأرقى.


صحيح أن كلمة الأمل لم ترد صريحة إلا في موضعين؛ هما:


﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلًُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ [سورة الحجر 15/3].


﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [سورة الكهف 18/46].


والآيتان مكيتان بما يجعل مفهوم الأمل السلبي والإيجابي جزءًا من منظومة الاعتقاد بحكم زمنية التنزيل.


وهذه أول نقطة تأسيسية مفاهيمية تشتبك مع استبعاد مفهوم مركزية المتعة المادية والرغبة الجسدية مفصولة عن مقام الإيمان، وتشتبك مع الاستبقاء لمفهوم مركزية الأمل الإيجابي في تفضيل الآخرة وهيمنتها على حركة الدنيا.


ومع ذلك، ففحص القرآن الكريم يفضي إلى دعم صناعة الأمل في الخطاب الدعوي المعاصر على امتداد مسارات كثيرة، يمكن الإشارة إلى أهمها فيما يلي:
1- داوم الانتصار للحق في الخطاب القرآني، والتعلق بالمستقبل النقي الطاهر، ومراجعة القصص القرآني حاكم في هذا السياق.


2- الإلحاح على خيرية المستقبل في ظل الإيمان. والتعلق بمحدداته تكاد تكون سمة في الخطاب القرآني، يستهدف الربط على قلوب الجماعة المؤمنة في كل زمان وفي كل مكان. يقول تعالى: ﴿سَيُغْلَبُونَ﴾ [سورة الروم 30/3] وهذا الخطاب فاشٍ في الذكر الحكيم يطمئن، ويبعث على التفاؤل.


3- إلحاح القرآن الكريم على أن السنة الكونية قاضية بانتصار المستقبل بما يعني الاستمساك بصناعة الأمل، يقول تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [سورة المجادلة 58/31]، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات37/173].


4- تحذير القرآن الكريم من حقول اليأس والقنوط والتراجع والإحباط، وربطه بالمبدأ والأصل الاعتقادي، وهو محدد مهم داعم لثقافة الأمل، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقُوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة يوسف الحجر 15/56].

 

ثالثا- السنة النبوية الشريفة مصدر داعم لصناعة الأمل


 ومن جانب آخر، تدعم نصوص السنة القولية قضية الأمل في التغيير الإيجابي للعالم.


وقد وردت اللفظة بمشتقات كثيرة في مدونات حفظ السنة ترسخ هذا الخلق في حياة المسلمين.


 ولعل النص التأسيسي في هذا السياق هو قوله صلى الله عليه وسلم: "فأبشروا وأملوا ما يسركم"، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في غير باب، ومسلم والترمذي وابن ماجه (انظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى، لفنسنك 1/105 طبعة ليدن 1936م). وقد فجر هذا الأصل بابًا علميًّا في السنة عرف باسم أحاديث الأمل والمستقبل للإسلام.

رابعا- السيرة النبوية مصدر أصيل في ترسيخ ثقافة الأمل


 ومن جانب آخر، فإن السيرة النبوية بما هي المنهج الكاشف عن حركة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقه العملي لأصول ما نزل عليه في الذكر الحكيم- تعطينا تأصيلاً وتأسيسًا لثقافة الأمل، يلزم الدعاة المعاصرون تأمله والتمسك به وتربية الجماهير عليه. ولن يعدم الخطاب الدعوي المعاصر الأمثلة على دعم الأمل في نفوس أبناء الأمة، وإليك بعض هذه الأمثلة:


1- رفض عروض قريش على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل تنازله عن الدعوة إلى الدين الجديد؛ الإسلام العظيم، وتعلق قلب النبي صلى الله عليه وسلم بأعز محبوب في المستقبل وهو ظهور الإسلام وانتشاره.


2- رد سراقة بن مالك في تعقبه رحلة النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا بما زرعه من الأمل في نفسه، ليتحقق بعد نحو عقد ونصف من الزمان.


3-خلق حالة إيجابية تجاه المستقبل تجلى في كثير من الوعود النبوية الكريمة في فتوح المستقبل؛ إذ بشر صلى الله عليه وسلم بفتح مصر، وخيبر والقسطنطينية وغيرها، وتحقق ذلك جميعًا.


 إن السيرة النبوية النبيلة تضرب المثال الفريد لما يمكن أن يمد الخطاب الدعوي المعاصر بكنوز من المعرفة والخبرة النافعة في تربية الجماهير.

خامسا- القدرة الذاتية على التجديد والإصلاح مصدر أصيل لصناعة الأمل


 إن المنظرين الفكريين الإسلاميين يقررون أن من سمات الفكرة الإسلامية، قابليتها الذاتية والداخلية على تجديد شبابها.


وهذه القابلية الذاتية الداخلية للتجديد من أهم مصادر صناعة الأمل في النفوس، ينبغي للدعاة تمثلها وهضمها، والتشبث بها؛ لأنها تعني أن أي تراجع أو انهيار حضاري سيزول بمحددات ذاتية وداخلية تملك تطبيقها الفكرة الإسلامية نفسها، وهو ما يعني امتلاك القوة الإيجابية الدافعة نحو تغيير الواقع والعلق بمستقبل مغاير ومشرق.


 وهو ما يقرره مثلاً الدكتور إبراهيم محمد تركي في المدخل الذي كتبه عن الأمل في موسوعة الخلاق (ص 144 طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 2012م).

سادسا- رصيد الخبرات والتجارب الإنسانية مصدر من مصادر صناعة الأمل


 إن التاريخ العريق الممتد للتطبيقات الإسلامية على الأرض من خلال تجارب علمائها وزعمائها وساستها وقياداتها ومفكريها ومصلحيها وخبراتهم العميقة؛ تمثل مصدرًا جبارًا يدعم ثقافة الأمل، يلزم تأمله في دعم ثقافة الدعاة في هذا الإطار. وهذه الخبرات يمكن تقسيمها إلى نوعين؛ هما:


1-خبرات تاريخية محكومة بطبيعة هيمنة الإسلام وتوجيهه للحياة بدءًا بخلافة أبي بكر رضي الله عنه الذي افتتح حياته بأحداث تنتصر لثقافة الأمل في مستقبل زاهر بقراره محاربة المرتدين، ثقة بالله تعالى، وإيمانًا به. وهي المنهجية التي حكمت مسيرة عمر رضي الله عنه في قراراته السياسية والاجتماعية.


2- خبرات معاصرة ظهرت في مناخ مغاير تشوهت فيه المؤسسات، وران على الإدارة دخان أسود وارد من ثقافات وأنظمة معرفية مخاصمة للإسلام. وهذه الخبرات تعطي المثال الفريد على قوة مقاومة الفكرة الإسلامية للهجوم، والتشويه من جانب.


والحق يفرض أن أقرر أني أكتب هذه المقالة بسبب عدد كبير من الدعاة المعاصرين الذي يمتلكون خبرات وتجارب واسعة مفعمة بالأمل، وتكاد تملأ نفوسنا وصدورنا ببعض الهواء النقي بسبب مواقفه الإيجابية المسكونة بالأمل في المستقبل المشرق.

 

(3) الأمل في الخطاب الدعوي المعاصر.. محدداته وخصائصه


 إن الدعوة إلى تمسك الخطاب الدعوي المعاصر بالأمل يلزمه بيان محدداته وخصائصه سعيًا نحو تثبيته في تربة الفكر الراهنة. وفيما يلي محاولة لرصد المحددات بإجمال:
أولاً- الأمل مفردة أصيلة كاشفة عن الإيمان العميق بالله تعالى.


ثانيًا- الأمل مفردة أصيلة حاكمة في مسيرة الحركة العملية للعصر النبوي النقي تمهيدًا لبناء الدولة، وتأسيسًا لها، وتحصينًا لمستقبلها.


ثالثًا- الأمل خلق إستراتيجي ثابت قادر على ترشيد حركة المجتمعات الإسلامية، بسبب من ذاتية التجديد والإصلاح، وبسبب من استمداده طاقاته ومحدداته من مصادر أصيلة حاضرة وفاعلة، سبق رصدها وتحليلها.


رابعًا- ارتباط تصور خلق الأمل في التصور الإسلامي بإرادة تنمية العالم. إن الأمل- بما تجلى في مصادره وخصائصه- طاقة ملهمة ينبغي للدعاة تمثلها وامتلاكها؛ لأنها واحد من أعظم سبل التمكين للإسلام. وإذا كنا قررنا أن الأمل يولد أولاً في السماء فإن الدعاة هم أقدر من ينزله ليزرعه في صدور الناس؛ لكي نعود لنتنفس بعض الهواء النقي!.