يملأ الشاعر عبد الرحمن الأبنودي اليوم الدنيا ضجيجًا عن التيار الإسلامي وخطره على مصر، خصوصًا بعد ثورة يناير 2011، التي شارك فيها الأبنودي مصادفةً، ممسكًا العصا من المنتصف، وكتب قصيدته "الميدان" واستقصى من خلالها الفساد على استحياء، ولم يشنع فيها على صقر مصر حسني مبارك، كما كان يصفه في الماضي، وهلل له الرفاق من الشيوعيين الذين يسيطرون على كل المنابر الثقافية في مصر، وينفخون في أدبه ويمجدونه على طول الخط. ومن عجب أن تأتي كل الإشادات واحدة، وكأنها موجهة من مصدر واحد، يخرج علينا اليوم في كل الصحف والقنوات التي يمتلكها الفلول الذين قامت ضدهم ثورة يناير، بعد شيوع فسادهم الذي زكم الأنوف؛ يشن حملة على التيارات الإسلامية التي فازت بثقة المجتمع في الجولات الانتخابية بعد الثورة المباركة، وأثبت الشعب أن الحيل والمكر لن يخيل عليه. ومما ما قاله أن عبد الناصر بنى مصر، وأن الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي سيجعلون مصر "خرابة"؛ قال ذلك قبل أن يمر أربعة شهور على تولي الرئيس مرسي مهام مسئولياته، وهو الذي جاء بانتخابات نزيهة شهد لها القاصي والداني.
يبدو أنه لا يحترم إرادة الشعب، هو يحترم إرادة البيادة وإرادة الرائد موافي فقط. وإني أعذره؛ فهو الذي تعود على الخنوع للأنظمة الفاشية المستبدة.
ومن عجب، أن يتهم الأبنودي التيار الإسلامي بأنها لا يقبل الحوار، فقال في حوار أجراه مع جريدة «الأهرام المسائي» مؤخرًا: "قوى الإسلام السياسي لا تؤمن بالحوار على الإطلاق، وكآن آراءها منزلة من السماء، وتسعى إلى تحقيق مصالحها، فلا تطيق صوتًا آخر. أما القوى الثورية فتحاول استعادة مصر من أيدي هؤلاء وغيرهم، ثم إن القوى الثورية هي التي لعبت الدور الأساسي في الثورة وكانت مفجرتها، فلا يصح أن نقول: القوى الوطنية منقسمة، وكأننا نحمل القوى الثورية هذا الأمر. لقد ذهبت للحوار مرة ومرات من قبل، فيما تناور قوى الإسلام السياسي طول الوقت، فهي التي تسهم في استمرار هذا الصراع الدموي".
هل جربت يا سيد أبنودي، يا من تعاونت مع شعراوي جمعة وزبانيته، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد- نتائج النظام الحالي بعد أن تنتهي مدته؟!
والحقيقة أن الأبنودي وأشباهه يمثلون جيل الميثاق الذي استعان بكل دعيٍّ، وزج بالمخلصين في السجون، الذين لم يبخلوا عن العطاء بلا مقابل وبنفس راضية؛ ففي الوقت الذي كان فيه الأبنودي يُذكر (بالخير طبعًا) عند شمس بدران، وشعراوي جمعة، والعصابة التي كانت تحكم مصر، وتستنزف مواردها على صنع زعامة زائفة، ونرجسية بغيضة انتهت بأكبر نكبة في تاريخ مصر الحديث، هي هزيمة 1967؛ وكان الأبنودي ورفقاؤه جزءًا منها- ظل الرجل يمدح نظام عبد الناصر عصر الهزائم والمظالم وقهر الإنسان.. م زال يروج للأكاذيب التي ساهم هو فيها، ومدح جمال في أكثر من قصيدة وأغنية وديوان وقال له: "يا بركان الغضب"، فإذا بهذا البركان يهمد أمام العصابات الصهيونية ويرسم لها مجدًا ما كانت تحلم به؛ ما حدا المجاهدة زينب الغزالي إلى أن تنادي بنحت تمثال لعبد الناصر في تل أبيب .
الأبنودي ومربعاته الفاسدة
1- "ولله أصيلة يا منصورة"..
ينبوع نضالك له ما جف..
خفتي لا تكتمل الصورة
وإني مش في قلب الصف.. "نفسكم تكممونا"
والوطن يسكن سكاته.. مش هنسكت اقتلونا..
ما حناش أغلى من اللي ماتوا"..
- مصر.. مِن جَوْلةْ لِجَوْلَة 2
مش لاقِي لها أي صِيغَة
اِستلمتوا مصر دَوْلة
نُصّ عام لَقِيناها مِيغَة
3- بِيع واستلِفْ أكتَرْ واكتَرْ
بَعْزَق وِبَغْدِدْ مَحاسِيبَكْ
بُكْرَة تِعُود (لَجنِةْ مِلْنَر)
تِمْسِكْنا إحنَا.. وِتْسِيبَك
هذه نماذج من مربعات الأبنودي التي يحارب بها النظام القائم بشراسة، رغم أنه ورث تركة فاسدة ساهم الأبنودي في صناعتها. والعجيب أن يدعي الرجل أنه يبغى العدالة الاجتماعية والحزن على الشعب والفقر الذي أصاب الشعب على يد نظام محمد مرسي؛ علمًا بأن الأبنودي منذ عقود من ساكني القصور والفيلات والشاليهات، وفي القاهرة يقطن في حي الزمالك الهادي، وهو الفقير القادم من القرية الفقيرة. ولنا أن نسأله: من أين أتى الأبنودي بهذه الثروة التي تتوزع في عدة محافظات مصرية؟! علمًا بأن (الأدب لا يوكل عيش). وهذا يذكرني بإجابة فاروق حسني عندما أجاب على اتهامه بالكسب غير المشروع فقال: "ثروتي كونتها من لوحاتي"!!!.
هؤلاء هم الناصريون؛ يطبقون الاشتراكية بالمقلوب على الطريقة الأمريكية الرأسمالية، يدعون إليها فيما نرى شخصًا كأبي حمالات يمتلك ثلاثة قصور وأسطولاً من السيارات، منها المرسيدس والهمر غير عشرات الملايين سيولة في البنوك، ومع هذا يدعو إلى العدالة الاجتماعية.
والقائمة طويلة من هؤلاء الذين نعتهم أستاذنا الدكتور محمد عمارة بأبناء القذافي في مصر.
وحدث أن سُجن الأبنودي بضعة أيام، وذهب إلى السجن الحربي، وكان يعامل معاملة خاصة، ويُشترى له كل شيء، ويدخل إليه كل ما يتمناه، فيما كان أبناء التيار الإسلامي يأكلون (سوسًا مُفَوَّلاً لا فولاً مُسَوَّسًا)، وقابل الشيخ كشك هناك، فقال له الأبنودى: "والله، هذه البلد لا تستأهل أن يقدم لها خدمات"، فقال له الشيخ: "وماذا قدمت لمصر؟"، فقال له: "ألا تعرفنى؟"، فرد عليه الشيخ: "نحب نتعرف"، فرد عليه: "أنا الأبنودي مؤلف أغنية (تحت الشجرة يا وهيبة)"!!!.
وحول حادثة سجنه أنه ما ترك مناسبة إلا وذكرها، كأنه المستشار حسن الهضيبي، والمستشار علي جريشة، وصلاح شادي الذين أمضوا ربع قرن خلف القضبان، مع أن البعض يشكك في جدية سجنه، ويعتقد أنه كان في مهمة خاصة لشعراوي جمعة.. والله أعلم!!.
ومع ذلك يتاجر الرجل بهذه الأيام القليلة التي قضاها في فناء السجن فيقول: "تجربة الاعتقال جعلتني أتعرف أكثر على غالب هلسا الذي عرفته كل سجون الوطن العربي. علمتني هذه التجربة أن المبدع الحقيقي سيظل دائمًا في حالة صدام مع السلطة؛ لأن المبدع له طموح لا تقف أمامه عوائق. المبدع أفقه أوسع من السياسي، ويرغب في الحوار والنقاش، لكن لا وقت لدى السلطات البوليسية والعسكرية للحوار، والأفضل عندها أن تحبسه مع لسانه في زنزانة لتتخلص منه. دائمًا أسأل نفسي من واقع تلك التجربة: كيف بالله يمكنك أن تكتب عن الحرية إن لم تعش تجربة السجن؟! كنا في الماضي نرسم صورة لقفص حديدي تخرج منه حمامة، ونقول: هذه هي الحرية، لكن الحرية شيء آخر".
لا أنسى أيها الأبنودي عندما شاهدتك في التليفزيون، وأنت تتزلف للفرعون مبارك أثناء تفقده سيول درنكة بأسيوط في بداية التسعينيات؛ ففي عز الأحزان والأهوال والخسائر التي تعرض لها سكان هذه البلاد، فوجئ الجميع بقولك للرئيس مبارك: "الصعايدة يا ريس إيديها نِعْمت، وعايزة الحكومة تعمل لها كل شيء"، فتبسم مبارك من قوله، وطلب من زكريا عزمي تدوين اسمه في دفتر المحظوظين، وضمه الوزير الفنان في زمرة الحظيرة الثقافية، فتح له الرائد موافي استوديوهات ماسبيرو، فصار يرتع فيها طوال الوقت، وما هي إلا بضع سنوات حتى منحه مبارك جائزة الدولة التقديرية، وجائزة مبارك في الأدب، وأصبح يسأل عنه ويطلبه في كل مناسبة، وجعله يسافر على حساب الدولة للعلاج بالخارج. وكان الأبنودي يرد الجميل، فيشيد بصاحب الضربة الجوية في الحفلات الأسطورية التي كانت تُقام بمناسبة حرب أكتوبر التي كانت تكلف مئات الملايين من الجنيهات، وأسالوا سمير فرج، وأحمد أنيس؛ كان ريعها يذهب إلى مئات الفنانين الذين كانوا يشاركون في هذه الحفلات مثل عمار الشريعي الذي لحَّن لمبارك أغنيات من عينة "اخترناك"، و"إديها كمان حرية"، و"يا مبارك يا حبيب الشعب"، و"النسر المصر شق السما". وعندما تيقن أن مبارك راحل بلا عودة ذهب إلى ميدان التحرير وندد بمظالم العهد البائد وجرائم مبارك، مثلما فعل المئات من المتحولين المنافقين الذين صنعوا مبارك وسطروا عنه آلاف الصفحات.
ينبغي للشعب المصري الطيب المسالم أن يعرف حقيقة هؤلاء وتاريخهم الحقيقي في الماضي والحاضر. ولا أنسى عندما حضرت ندوة للأبنودي في معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ خمس سنوات، وفي سراي 6، استقبله شاب وبحسن نية قال له: "مرحبًا بالشاعر الكبير"، واسترسل في كلام يدل على مظاهرة حب له، فما من الأبنودي إلا أن قاطعه ونهره قائلاً: "اقعد يا ابني، إيه الليلة المطينة دي؟!"، وكان الأجدر أن يمنعه بأسلوب راقٍ، وهو الشاعر الكبير صاحب الإحساس المرهف!!!. ولم يتحدث أحد في هذه الندوة إلا الأبنودي ونرجسيته تكاد تحرق المكان. وما قابلت شاعرًا من الجنوب إلا وذكر لي موقفًا سيئًا تعرض له من الأبنودي، منهم الشاعر عبد الستار سليم الذي قال لي: "عبد الرحمن الأبنودي سطا على تراث الجنوب ونسبه إلى نفسه". وحتى السيرة الهلالية التي طبعها في ثلاثة مجلدات فاخرة كسب من ورائها الكثير، وأعادت طباعتها له "ماما سوزان" في مشروع "مكتبة الأسرة"، كما طُبع له في هذا المشروع معظم كتبه. ولم يزد الأبنودي في السيرة حرفًا على كلام "جابر أبو حسين" شاعر السيرة الهلالية الشهير، الذي سجل معه السيرة في حلقات أذاعتها إذاعة الشعب. ولم يذكر الأبنودي أي فضل لعم جابر في كتابه المذكور؛ نسب كل شيء إلى بنات أفكاره، وعبقرية نظْمه. وهناك أغنيات في مسلسل "ذئاب الجبل" نسبها الأبنودي إلى نفسه مثل أغنية: "ولا بد من يوم محتوم، تترد فيه المظالم.. أبيض على المظلوم، أسود على كل ظالم"؛ فهي من تأليف الشاعر المصري الشعبي القديم (ابن عروس) صاحب المربعات الشهيرة.. كل هذا وأصدقاؤه من النقاد يجاملونه ويغضون الطرف عن هذه السلبيات.
حتى إخوته ضجوا منه بالشكوى؛ فلقد ذكر لي شقيقه المرحوم الشاعر كرم الأبنودي في مؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي المنعقد في الغردقة سنة 2006، أن أخاهم لم يهتم بهم ولم يذكر أي شيء عن مواهبهم، ولقد نال تجاهله أخاه الأكبر الشاعر العظيم جلال الأبنودي الذي تعلم عبد الرحمن على يديه؛ فهو يكبره بنحو خمسة عشر عامًا. ولما سمع عن سوء أخلاقه وأفكاره الماركسية، لم يسمح له بدخول منزله في القصير أو الغردقة بالبحر الأحمر حتى رحيله سنة 2001. والعجيب أن عبد الرحمن لم يحضر جنازته ولم يشارك في عزائه؛ لأن الشيخ جلال تخرج في الأزهر، وعلى يديه تعلم المئات في إقليم البحر الأحمر الذي أسس فيه نهضة أدبية زاهرة لا تزال آثارها موجودة للآن. كان يكره الأفكار المارقة والغريبة ويعتز كثيرًا بالأدب العربي الأصيل والحضارة الإسلامية الزاهرة.
وحتى والده الشاعر الكبير محمود الأبنودي لم يسلم من تجاهل عبد الرحمن له؛ فقد ذكر لي المرحوم كرم أيضًا أن عبد الرحمن اتصل به ذات يوم طالبًا منه ديوان الوالد؛ لأنه كان يعد أوبريت لليلة المحمدية في الاحتفال بالمولد النبوي سنة 1990، فبعث إليه بالديوان، وفوجئ كرم الأبنودي عند مشاهدته الأوبريت في التلفاز أن الأشعار التي كان يلقيها محمود ياسين، وسميحة أيوب هي أشعار والده التي نسبها عبد الرحمن إلى نفسه ولم ينوه بها في تتر الأوبريت.. وهناك أشياء يضيق المقام عن ذكرها.