- الثورة قامت ضد نظام الحكم الذي يشمل الرئاسة والدستور والبرلمان والشورى والأجهزة الأمنية والعسكرية والمخابراتية والقضائية والمحلية، ثم رجال المال والإعلام والنخب الموالية. بعض هؤلاء يمثلون "المنتخبين" (بالتزوير)، والبعض الآخر يمثلون "المُعيَّنين" مثل قيادات الأجهزة المذكورة، وعلى رأسهم الأمن والقضاء.
- اتجهنا بعد إسقاط المخلوع إلى المسار الدستوري، وتم تسليم السلطة إلى العسكر (أهم عناصر نظام المخلوع) فأُعيقت الثورة وأُطيلت المرحلة الانتقالية، ودُمِّرت مقدرات اقتصادية لتكفير الشعب بالثورة.
- أي ثورة شعبية تمثل عملاً غير دستوري ضد النظام الفاسد ورجاله الذين أسسوا هذا النظام. الثورة والشعب فوق الدستور والقضاء والقانون.
- هناك اتجاهان متضادان: الثورة والثورة المضادة.. صراع جذري منذ البداية بسبب الاستفتاء الدستوري الذي أوضح أن الشعب إسلامي باكتساح, ثم نتائج الانتخابات النزيهة بعد الثورة، برلمانًا وشورى ورئاسةً، ثم الاستفتاء الدستوري, وما سبقه من إعلان مرسي الدستوري الذي رفضه اتجاه الثورة المضادة مع أنه وافق على إعلانات المجلس العسكري السابق (غير المنتخب)، ثم الخلاف في الموقف من الرئيس والنائبَيْن العامَّيْن السابق والحالي، ورئيس الحكومة، وحتى التمييز بين التظاهر السلمي والبلطجة وخلافه.
- هذا التضاد بديهي وضروري؛ لأنه بين المُعيَّنين من طرف المخلوع والمنتخبين من الشعب بعد الثورة. منطقيًّا وتاريخيًّا لا ثورة إلا قامت ضدها ثورة مضادة، أساسها المُعيَّنون من النظام السابق، وأهمهم القضاء والأمن.
- ماذا فعل المُعيَّنون (القضاء والمجلس العسكري السابق) ضد المنتخبين؟! حدثت مذبحة حل البرلمان الذي انتخبه 30 مليون مصري بنزاهة شهد بها العالم. وبموجب الشريعة الإسلامية، السلطة للشعب فوق القضاء بحيث يستحيل حل البرلمان حتى لو كانت الانتخابات بناء على قانون غير دستوري. كان البديهي في مثل كل التجارب المصرية والعالمية أن تتوقف المحكمة الدستورية عند حدودها بالحكم بأن قانون الانتخابات به عوار، ثم يستمر البرلمان إلى نهاية مدته، وتتخذ الاعتبارات في قانون انتخابات البرلمان اللاحق كما يحدث الآن. يستحيل أن يتكرر ذلك مع مجلس الشورى؛ حتى لو حكمت الدستورية بأن انتخابات الشورى بها عوار دستوري فلن يُحَل المجلس؛ لأنه قرار الرئيس.
- تمت مذبحة النواب. والقضاء الآن يحاول تأخير انتخاب برلمان جديد. ونحن لا نرى مذبحة قضاء كما يروجون؛ فالمُشاهَد الآن هو تغول نادي القضاة ورموز قضاة المخلوع على السلطة التشريعية التي يمثلها مجلس الشورى بديلاً دستوريًّا للبرلمان باستفتاء الشعب؛ فالمُعيَّنون لا يعترفون بالمنتخبين ولا بالشعب، وإذا سألتهم في جلسة خاصة عن الثورة فلن يعترفوا بها.
- نادي القضاة- وهو مؤسسة أهلية غير مشهرة- تتحدى مجلسًا نيابيًّا دستوريًّا شعبيًّا؛ لذلك قضاة المخلوع يطالبون بمحاكمة مرسي؛ لأنه هرب من المعتقل بعد ثورة يناير. أمر شاذ لكنه مفهوم؛ لأنهم لم يعترفوا بثورة الشعب؛ لذلك صرح كبيرهم إعلاميًّا بأن النواب غير مؤهلين للتشريع, أي غير مؤهلين لاختيار النواب.
قانون السلطة القضائية المقترح هو معايير موضوعية تطبق على الجميع؛ أي لا انتقائية ولا انتقامية. أما خفض سن المعاش للقضاة فهو أمر يمثل عودة للوضع الطبيعي الدستوري ليكون سن المعاش واحدًا لجميع فئات الشعب، فضلاً عن أنه يوفر المساواة في الفرص بين الأجيال المختلفة. لقد كان رفع السن إجراءً غير دستوري من المخلوع بهدف رشوة القضاة لدعم الحاكم غير المنتخب. والشيء نفسه كان في قضية انتداب القضاة إلى مؤسسات أخرى مقابل مبالغ مالية مرتفعة. ولقد ألغى الدستور الجديد هذه المهازل المفسدة.
- الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، عزل قاضيًا لم يستلم منصبه إلا شهرًا واحدًا؛ فلما اشتكى (لأنه لم يرتكب أخطاء) قال له الخليفة: "يكفي أنك معين من طرف (الحاكم المخلوع شعبيًّا) الحجاج" وأقره الجميع والتاريخ على ذلك.
- طالبوا بتدويل مسرحية مذبحة القضاة في المحكمة الجنائية الدولية. مهزلة غير مسبوقة عالميًّا, فضلاً عن أنه معلوم أن هذه المحكمة مختصة بمجرمي الحرب فقط.
- بديهي أن يكون استقلال القضاء من وجهة نظر مُعيَّني المخلوع، متضادًّا مع وجهة نظر مُنتخَبي الشعب. استقلال القضاء لا بد أن يكون وسيلةً لمصلحة الشعب لا هدفًا في حد ذاته.
ببساطة.. كبار القضاة المستفيدون من نظام المخلوع (هم وذووهم المُعيَّنون بالوراثة في القضاء والنيابة) يصرون على الاحتفاظ بمكتسباتهم؛ لذلك يتحالفون مع القوى السياسية العلمانية ضد المنتخبين.
-هناك ضغوط هائلة من الثورة المضادة (المدعومة من الخارج)، يقابلها أحيانًا تراجع تكتيكي من النظام الحالي (مفهوم)، لكن المطالبة بعدم إصدار قانون السلطة القضائية الجديد حتى انتخاب البرلمان يستحيل قبولها إلا بشرط تعليق محاكمة المخلوع ورموز نظامه حتى إصدار القانون الجديد وتطهير القضاء؛ فلا يُعقَل "تسليم القط مفتاح الكرار"
-----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار