القصران المقصودان هما قصر فرساي وقصر الحمراء، قصر فرساي رمز عظمة فرنسا ومسكن ملوكها بداية من لويس الرابع عشر، وقصر الحمراء هو رمز عظمة الحضارة الإسلامية في الأندلس.

 

المسافة بين القصرين هي المسافة بين فلسفتين لحضارتين متباينتين.

كيف؟  لنرى:

قصر فرساي هو قمة الفن الكلاسيكي الفرنسي.  قصر بديع بعمارته الفخمة ورسومه التي تغطي أسقفه وجدرانه، ببريق الذهب الذي يلمع من نقوشه وأثاثه، بثرياته المتلألئة،  بصالاته الواسعة وأسقفه المرتفعة.

 

يشعرك في كل جزء فيه بضآلتك وفخامته وغناه وفقرك. قصر تم بناؤه ليخطف أبصار الناظرين إليه ويقذف المهابة في نفوس زائريه، أيقونته هو تاج الملك لويس الرابع عشر.

 

أما قصر الحمراء فتتجلى فيه كل معاني الجمال والسكن والراحة والهدوء والبساطة.

 

امتزاج عجيب بين السكن والطبيعة. مجاري الماء تنساب تحت قدميك وأمام ناظريك وصوته يشنف أذنيك، والزروع والأزهار بمناظرها المبهجة ورائحتها الزكية، وزخارف البناء التجريدية العجيبة في جمالها ودقتها وتناسقها وألوانها المريحة للعين، مع تداخلات الخط العربي بتشكيلاته العبقرية. وهذه الزخارف من خامات الأرض فهي إما من الجص (الجبس) وإما من الطين الملون المعالج حراريًّا (الفسيفساء- الزليج).  وأيقونة القصر شعار (لا غالب إلا الله). وأنا منشغل بين هذين النموذجين قفز إلى ذهني ما ذكره الأديب "يحيى حقي" في إحدى مقالاته المجموعة في كتابه: "في محراب الفن" (إنني حين دخلت قصر فرساي، سألت نفسي: كيف كان يعيش أهله فيه؟ حمدت الله أنني لم أكن لويس- حتى ولو الرابع عشر– كيف كنت أستطيع أن أنعم بالحياة في مسكن لا أنفك أصاب فيه بزكام من شدة تيارات الهواء، أحس أنني مضيع لا أتهنى بخلوة مريحة في هذه السلسلة التي لا تنتهي من الصالونات والممرات، أضف إلى ذلك أنني لم أجد حمامًا ولا مرحاضًا .....).

 

ثم انتقلت إلى "جوستاف لوبون" يصف في كتابه "حضارة العرب" قصر الحمراء بقوله: "لا يشابه قصر الحمراء قصور أوربا مطلقًا، فليس فيه رداه "ممرات وصالونات " فخمة مملة باردة مثل رداه قصورنا الأوربية التي رسمت ليعجب با الزائرون، لا لتلائم ساكنيها".

 

ثم يذكر ما تغنى به " فيكتور هوجو" في قصر الحمراء: "أيتها الحمراء، أيها القصر الذي زينتك الملائكة كما شاء الخيال وجعلتك آية الانسجام، أيتها القلعة ذات النوافذ المزخرفة بنقوش كالزهور والأغصان، حينما تنعكس أشعة القمر المضيئة على جدرك من خلال قناطرك العربية يسمع لك في الليل صوت يسحر الألباب".

 

إن هذه المقابلة بين القصرين هي مقابلة بين فلسفتين.

 

الأولى تعتمد على خطف الأبصار بمظاهر الإبهار، تهتم بالمظهر على حساب الجوهر، محصورة في الدنيا ومادياتها، فانعكس ذلك على انتاجها الحضاري والفني، فالفنان هنا محبوس داخل المادة المحسوسة فلم يتجاوز خياله ما تراه عيناه، فأنتج تماثيل ورسومًا تمجد شخص الملك وتمثل شخوصًا وأحداثًا، وفي أبعدها خيالاً تمثل بعض أساطير اليونان.

 

أما الثانية فهي فلسفة تعتمد على امتزاج النفع بالجمال، تهتم بجوهر الإنسان وروحه اهتمامها بمتطلبات جسده  فلسفة أطلقت العنان لخيال إنسانها ليسبح في عالم آخر، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فأنتج فنانها من طين الأرض وخاماتها الرخيصة فنونًا بديعة لا تجد لها مثيلاً فيما تقع عليه عيناك في الدنيا، إنسان لم يتعلق بشخص ولكنه تعلق بالسرمدي الأبدي (لا غالب إلا الله).