عدتُ إلى الكويت بعد إجازة تجاوزت الشهر في مصرنا الغالية, وكم كنت مشتاقًا حقًّا بل في أشد الاحتياج إلى هذه الرحلة، ولله الحمد قضيت بين الأهل والأصدقاء والشارع المصري أسعد الأوقات التي عشتها في مصر!
عدت وقد تعزز لي الأمل بفضل الله في غد خير لمصرنا وأمتنا من حاضرها بعد أن منَّ الله علينا بخلع طخمة من المفسدين.
عدت وقد تأكدت لي كل العوامل التي بمشيئة الله ستبني مستقبل مشرق لأبنائنا.
لقد قابلت العديد من فئات الشعب بدءًا من العامل البسيط في محل وطلبة جامعات ورجال أعمال وموظفين ووو..
لم تكن هناك فرصة للتعرف على واقع الشارع المصري إلا وحرصت على تسجيلها وتحليلها لتكتمل الصورة عن حال مصر!
بدايةً, من العته والسفه أن نتخيل أنه يمكن لبشر مهما بلغت بهم الكفاءة وتوافرت لديهم كل الأسباب أن يعالجوا النتائج السلبية لخطط استهدفت مصر. وقد تم تنفيذها بدقة محكمة بحيث تتضاءل مكانة مصر وتنزوي ذاعنة راضخة للسيادة والهيمنة الأمريكية والإسرائيلية, من خلال تدمير البنية الاقتصادية ونهبها وتحويلها إلى عزبة لعصابة من الأشرار وبحيث يفقد المصري هويته وأي أملٍ في الإصلاح.
إنه من أفدح الأخطاء أن نعقد مقارنةً بين واقع مصر وما يأمله ويحلم به كل مصري فالفجوة هائلة قد تصيب ضعاف النفوس باليأس بل وبالقنوط - أعوذ بالله -, بل يجب مقارنة الواقع بالأمس - أو بما كان يمكن أن يكون عليه اليوم لو لم يكن قد منَّ الله علينا بالثورة المباركة على نظام المخلوع – فيتفجر فينا الأمل ويشرق الغد بإشراقة المطمئن.
إن هناك عالمين في مصر! العالم الإعلامي من قنوات تليفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي والصحف الإلكترونية والورقية, وعالم واقع الشارع المصري! وأقول عالمين لأنهما فعلاً عالمان منفصلان كليةً.. فمن يعيش في العالم الإعلامي يتصور لكثرة الكذب وكأنَّ مصر أسوء بلد على الأرض، أما الشارع المصري فيعيش حالة مختلفة كلية عن هذا الكابوس الأسود.
سأسرد دون تعليق بعض ما رأيته بمصر:
كنت أشتري من محل ولاحظت أن العامل يتابع قناة مصر25 وبادرته متسائلاً: لماذا هذه القناة فرد مستنكرًا...! لأن الشعب ملَّ كذب باقي القناوات! ودخل مشتري آخر وأيده ودعى على جبهة الخراب.
يوجد بجانب منزلي بمدينة نصر محل بيع زهور يمتلكه شاب مكافح أخبرني إنه تقدم للحصول على تصريح بكشك حتى يوفر الإيجار المرتفع الذي يتحمله شهريا, وقد فوجئ بالمعاملة الطيبة والطلبات المحددة وبعد استيفائها قبل طلبه وقد أخبرته مهندسة الحي المشرفة إن اللجنة المركزية على مستوى المحافظة سوف تحدد له المكان المناسب, وكما أخبرني كان عليه في عهد المخلوع دفع 25000 جنيه أو شفاعة واحد مهم! والتي لا يمكن الحصول عليها دون مقابل.
انتقلت بفضل الله في أمان عبر مناطق القاهرة الكبرى وفي أوقات متأخرة من الليل، كما سافرت إلى الغردقة والى الساحل الشمالي عدة مرات حتى مرسى مطروح، لم أجد أي محاولة بلطجة أو اعتراض طريق!
اعترضتني ثلاث لجان من الأمن إحداها فقط استوقفتني وبكل أدب اطلعت على الرخص أما اللجنتان الأخرتان فقد سمحت لي بالمرور مباشرةً, يمكن لأن معي عائلة!
طريق الإسكندرية الصحراوي أربع حارات ومشغول جدا أثناء ذهابنا صباحًا وكذلك في عودتنا مساءً، وكأنك تسير في وسط القاهرة, حوالي 80% شاحنات بالخضروات والبضائع، ثم ترى بعض العاطلين يرددون: الحال واقف!
يوجد محل خضروات وفاكهة بجانبي يعمل 24 ساعة وبه فاكهة مستوردة أسعارها أغلى من الكويت وقلما يكون الكاشير فاضي
قابلت قريب لي وهو من صغار رجال الأعمال حوالي (50مليون) وأخبرته عن انطباعي إن بسم الله ما شاء الله أرى حركة طيبة في البلد, قال إن مصر كبيرة ومن أخبرك برواج الحال أو من أخبرك بخلاف ذلك فصدقه!
دعيت لمحاضرة في كلية بإحدى الجامعات الخاصة عن كيف يخطط الشاب لحياته وتعمدت أسلوب النقاش للتعرف على رؤيتهم للمستقبل وخرجت وكلي أمل فيهم وبهم تعود مصر لنا.
هذا ليس معناه إنه قد أكتمل البناء وتحققت الأحلام وقد تبوأت مصر المكانة التي تستحقها – قريبا بأذن الله – ولكن مصر ليست ما يقوله المرجفون ولا ذوي القلوب المريضة والذين يتمنون السوء انعكاسا لنفوسهم السوداوية ...
ولكن مصر على الطريق الصحيح وقد بأت بالحراك نحو الأمل المنشود مازالت تعاني من كبوات عهود الظلم والضياع هناك مشكلات جمة على كافة الأصعدة ولكن بالتوكل على الله وبسواعد المخلصين من أبنائها ستبني مستقبل يعتز به كل مصري وكل مسلم حفظك الله يا مصر.
أيضًا هذا ليس معنا أن النظام الحالي يعمل بأفضل كفاءة للتعامل مع الحالة الحرجة التي تعيشها مصر, لكنه على الأقل أول نظام عبر تاريخ مصر يعبرعن هوية مصر و يختاره الشعب بحرية وإرادة كاملة, وهو يحاول جاهدا أن يدفع بعجلة التنمية في كل المجالات على الطريق الصحيح نعم هناك أخطاء ولكن أيضا هناك نجاحات وإنجازات، كما لا يمكن أن نغفل خفافيش الظلام واستغلالهم حاجة المعدمين - ولهم العذر – وذوي النفوس المريضة تأثيراتهم السلبية على حركة الإصلاح.
المهم إن مصر تسير في الطريق الصحيح وهذا هو أهم عوامل الأمل في غد مشرق نعم هناك تعثر لكن الأمل في الله مطلق فقد وعد عز وجل (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) (الأعراف)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30).
أود أن أؤكد على قناعتي بأن ما تواجهه مصر من سلبيات العهود السابقة هي مسئوليتنا جميعا, ونحمد الله على إننا بعون الله قد أزلنا المخلوع بجهودنا الذاتية ودون أي تدخل خارجي, ولكننا قد تأخرنا كثيرًا وعلينا ان نتحمل نتيجة تأخرنا, ولعل من أخطر هذه السلبيات الحجر على المخلصين وعدم اعطائهم الفرصة للمشاركة في بناء الوطن وتنمية خبراتهم, لذا فلا نتوقع منهم الأداء الأمثل. فعلى سبيل المثال كيف نقارن الأداء الديمقراطي سواء على مستوى أحزاب عمرها شهور أو مستوى الشعب الذي لم يعرف معنى حرية الرأي بدول عمر الديمقراطية بها قرون.
--------------
* مستشار استراتيجيات دعم القرار